مرض الكوليرا

Cholera

كتابة: إسراء أحمد | آخر تحديث: 24 يونيو 2020 | تدقيق: د. هبة حجزي
مرض الكوليرا

مرض الكوليرا – Cholera من بين أشهر الأوبئة التي يذكرها العالم إلى الآن، فما هي الكوليرا، وما هو تاريخ هذا المرض؟


ما هو مرض الكوليرا ؟

الكوليرا هي مرض بكتيري خطير، تسببه بكتيريا تسمى Vibrio Cholerae. ينتشر المرض عادة عن طريق المياه والطعام الملوثين.

العرض الأساسي لمرض الكوليرا هو الإسهال الشديد والجفاف، لدرجة قد تؤدي إلى الوفاة. يمكن أن يحدث الموت في غضون ساعات قليلة. لذا، يعد التدخل الطبي العاجل في مثل هذه الحالة أمراً هاماً للغاية.

اليوم، أدت تقنيات معالجة المياه المتطورة إلى القضاء على مرض الكوليرا في معظم البلدان. رغم ذلك، لا يزال خطر انتشار مرض الكوليرا موجوداً في البلدان التي تواجه الحرب والفقر والكوارث الطبيعية، بما في ذلك بلدان في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا والهند والشرق الأوسط.


أسباب الكوليرا

كما ذكرنا، السبب الرئيسي في مرض الكوليرا هو بكتيريا V. Cholerae. تنتج الآثار المميتة للكوليرا من سم قوي يعرف بـ CTX تفرزه هذه البكتيريا في الأمعاء الدقيقة.

يتداخل هذا السم مع الصوديوم والكلوريد عند ارتباطهما بجدران الأمعاء. عندما تلتصق البكتيريا بجدران الأمعاء الدقيقة؛ يبدأ الجسم في إفراز كميات كبيرة من الماء، والتي تؤدي إلى الإسهال وفقدان سريع للسوائل والأملاح.

مصادر المياه الملوثة، هي المصدر الرئيسي لعدوى الكوليرا. إضافةً إلى ذلك، يمكن أن تحتوي الفواكه والخضروات وغيرها من الأطعمة غير المطبوخة، على البكتيريا المسببة للكوليرا.


تاريخ مرض الكوليرا

من غير المعروف، تحديداً، متى أصابت الكوليرا الإنسان لأول مرة. تصف نصوص مبكرة من الهند (بواسطة Sushruta Samhita في القرن الخامس قبل الميلاد) واليونان (هيبوقراط في القرن الرابع قبل الميلاد، وأريتايوس القبادوقي في القرن الأول الميلادي) حالات معزولة تشبه إلى حد كبير داء الكوليرا.

تأتي أحد الروايات التفصيلية الأولى لوباء الكوليرا من غاسبار كوريا -المؤرخ البرتغالي ومؤلف كتاب “أساطير الهند” الذي يصف فيه تفشي لمرض في ربيع عام 1543 في منطقة دلتا الغانج، الذي يقع في جنوب آسيا في منطقة الهند وبنجلاديش. أطلق السكان المحليون على المرض اسم “moryxy”، وأفاد أن هذا المرض كان يفتك بضحاياه في غضون 8 ساعات من ظهور الأعراض. وكان معدل الوفيات مرتفعاً لدرجة أن السكان عانوا لدفن جميع الموتى.

بعد هذا التاريخ، وردت تقارير عديدة عن مرض الكوليرا على طول الساحل الغربي للهند من قبل برتغاليبن وهنديين وبريطانيين.

جائحة الكوليرا الأولى

نشات أول جائحة للكوليرا من “دلتا الجانج” ثم تفشى الوباء في جيسور، الهند، عام 1817. انتشر المرض بسرعة كبيرة في معظم أنحاء الهند وميانمار وسريلانكا، نتيجة السفر على طول الطرق التجارية التي أنشأها الأوروبيون.

بحلول عام 1820، انتشرت الكوليرا إلى تايلاند وإندونسيا والفلبين. من تايلاند وإندونسيا، شق المرض طريقه إلى الصين عام 1820 واليابان عام 1822، عن طريق الأشخاص المصابين على متن السفن.

انتشر الوباء خارج آسيا. وفي عام 1821، جلبت القوات البريطانية التي سافرت من الهند إلى عمان، الكوليرا إلى الخليج العربي. وصل المرض في النهاية إلى الأراضي الأوروبية، كما وصل إلى تركيا وسوريا وجنوب روسيا.

بعد 6 سنوات من بدايته، انتهت هذه الموجة من تفشي الوباء. يقال أن ذلك بفضل الشتاء القارس في عامي 1823 و 1824، والذي ربما ساعد على قتل البكتيريا التي تعيش في الماء.

الكوليرا تصيب أوروبا والأمريكتين

بدأت الجائحة الثانية للكوليرا حوالي عام 1829. ومثل الجائحة الأولى، يُعتقد أن التفشي الثاني للكوليرا قد نشأ في الهند، وانتشر على طول الطرق التجارية والعسكرية إلى شرق ووسط آسيا والشرق الأوسط.

بحلول خريف عام 1830، وصلت الكوليرا إلى موسكو. تباطأ انتشار المرض مؤقتاً خلال فصل الشتاء. لكنه بدأ في الانتشار مرة أخرى في ربيع عام 1831. وصل إلى فنلندا وبولندا، ثم انتقل إلى المجر وألمانيا.

انتشر المرض بعد ذلك في جميع أنحاء أوروبا، حيث وصل إلى ميناء سندرلاند في أواخر عام 1831 ولندن في ربيع عام 1832. دفع ذلك بريطانيا إلى سن عدة إجراءات للمساعدة في كبح انتشار المرض، كان أبرزها الحجر الصحي.

في عام 1832، وصلت الكوليرا أيضاً إلى الأمريكتين. في يونيو من ذلك العام، شهدت كيبيك ألف حالة وفاة بفعل المرض، الذي انتشر بسرعة على طول نهر سانت لورانس وروافده.

في نفس الوقت تقريباً، دخلت الكوليرا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وظهرت في نيويورك وفيلادلفيا. وعلى مدى العامين التاليين، انتشرت في جميع أنحاء البلاد. في عام 1833، ظهرت في أمريكا اللاتينية، بما في ذلك المكسيك وكوبا.

لما يقرب من عقدين من الزمن بعد هذا التاريخ، سيموت هذا الوباء ويعاود الظهور في العديد من البلدان، حتى تخمد الجائحة الثانية حوالي عام 1851.

كيف درس العلماء الكوليرا؟

بين عامي 1852 و 1923، شهد العالم أربعة أوبئة أخرى للكوليرا.

كان الوباء الثالث، الممتد من 1852-1859، الأكثر دموية. اجتاحت الكوليرا آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية وأفريقيا، مما أسفر عن مقتل 23000 شخص في بريطانيا العظمى وحدها في عام 1854، وهو العام الأسوأ في تاريخ الكوليرا.

في ذلك العام، قام الطبيب البريطاني جون سنو، والذي يعتبر واحداً من الرواد في علم الأوبئة الحديث، بوضع خرائط دقيقة لحالات الكوليرا في منطقة سوهو في لندن، مما سمح له بتحديد مصدر المرض في المنطقة: مياه ملوثة من مضخة آبار عامة.

أقنع جون المسؤولين بإزالة مقبض المضخة. وبالفعل، تراجعت حالات الكوليرا في المنطقة على الفور.

كانت الأوبئة الرابعة والخامسة من الكوليرا -التي حدثت بين 1863-1875 و 1881-1896، على التوالي- أقل حدة من الأوبئة السابقة بشكل عام، ولكن كان لها نصيبها من التفشي القاتل. بين عامي 1872 و 1873 على سبيل المثال، شهدت المجر 190,000 حالة وفاة بسبب الكوليرا. كما فقدت هامبورج حوالي 1.5% من سكانها بسبب الكوليرا عام 1892.

في عام 1883، درس عالم الأحياء الدقيقة الألماني روبرت كوخ -مؤسس علم الجراثيم الحديث- الكوليرا في مصر وكلكتا. ثم طور تقنية مكنته من زراعة بكتيريا V. Cholerae، وأوضح أن وجود هذه البكتيريا في الأمعاء هو ما يسبب مرض الكوليرا.

خلال الجائحة الخامسة من الكوليرا، كانت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة آمنة إلى حد كبير بفضل التحسينات في إمدادات المياه وتدابير الحجر الصحي.

في الجائحة السادسة بين عامي 1899-1923، لم تؤثر الكوليرا كثيراً على أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، بسبب التقدم في الصحة العامة ونظام الصرف الصحي. لكن استمر المرض في تدمير الهند وروسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبحلول عام 1923، تراجعت حالات الكوليرا في معظم أنحاء العالم، باستثناء الهند، حيث قتلت أكثر من نصف مليون شخص في الهند في عامي 1918 و1919.

وباء الكوليرا في مصر

ضرب وباء الكوليرا مصر عشر مرات في تاريخها الحديث، في أعوام 1831، 1834، 1850، 1855، 1865، 1883، 1895، 1902، 1947.

كان الأخير الذي انتشر عبر مصر في الأشهر الأخيرة من عام 1947، من أكبر الجوائح في القرن العشرين. حتى أنه تم تدوين رحلة مرض الكوليرا في عمل روائي فرنسي ينتمي لأدب الرمزيات، باسم “اليوم السادس”. تحولت الرواية لفيلم شهير من إخراج المخرج الكبير يوسف شاهين، وأخذ نفس الاسم.

الكوليرا في السنوات الأخيرة

على عكس الأوبئة السابقة، التي نشأت جميعها في الهند، بدأ وباء الكوليرا السابع في إندونسيا عام 1961. وانتشر عبر آسيا والشرق الأوسط، ووصل إلى أفريقيا عام 1971. وفي عام 1990، كان 90% من حالات الكوليرا التي تم الإبلاغ عنها لمنظمة الصحة العالمية، من قارة أفريقيا.

في السنوات الأخيرة، كان هناك عدد من موجات التفشي المدمرة، بما في ذلك موجة التفشي في زيمبابوي 2008-2009، والتي أثرت على 97000 شخص.

في عام 2017، ظهر تفشي مرض الكوليرا في الصومال واليمن. وبحلول أغسطس 2017، كانت الكوليرا قد أصابت 500,000 شخص في اليمن، وحصدت أرواح ألفين منهم.


أعراض مرض الكوليرا

غالبية الأشخاص المعرضين للكوليرا قد لا تظهر عليهم أعراض مرضية ملحوظة. في الواقع، في معظم الحالات، قد لا تعرف أنك أصبت بالمرض.

بمجرد إصابة شخص ما بعدوى الكوليرا، يستمر خروج بكتيريا الكوليرا في البراز لمدة سبعة إلى 14 يوماً. عادة تسبب الكوليرا الإسهال مثل العديد من الالتهابات البكتيرية الأخرى، إلا أن الإسهال المرتبط بالكوليرا عادة ما يكون مائي وبكميات كبيرة.

يعاني واحد من كل 10 أشخاص مصابين  من أعراض الكوليرا الشائعة في غضون يومين إلى ثلاثة أيام بعد الإصابة. تشمل الأعراض الشائعة ما يلي:

  • ظهور مفاجئ للإسهال
  • غثيان
  • قيء
  • الجفاف

نتيجة فقد سوائل الجسم، عادة ما يكون الجفاف المرتبط بمرض الكوليرا شديداً، ويمكن أن يسبب:

  • التعب
  • تقلبات المزاج
  • العيون الغارقة
  • جفاف الفم
  • تقشر الجلد
  • العطش الشديد
  • انخفاض إنتاج البول
  • عدم انتظام ضربات القلب
  • انخفاض ضغط الدم

من الممكن أن يؤدي الجفاف أيضاً إلى فقدان المعادن في الدم. ينجم عن ذلك اضطراب الكهارل أو الإلكتروليت في الجسم. أول علامة على اختلال الكتروليتات الجسم، هي تقلصات العضلات الشديدة.

في الأطفال، عادةً ما تكون أعراض مرض الكوليرا مشابهة لما يحدث لدى البالغين، إضافة إلى ما يلي:

  • النعاس الشديد
  • حمى
  • تشنجات
  • غيبوبة

يحتاح المصابون بعدوى الكوليرا إلى تعويض السوائل المفقودة بشكل فوري؛ لمنع أعراض الجفاف الشديد من التطور.

المضاعفات المحتملة

في الحالات الشديدة، قد تكون الكوليرا قاتلة. يتسبب فقدان السوائل والكهارل السريع في الوفاة في غضون ساعتين أو ثلاث ساعات. حتى في الحالات المتوسطة، إذا ترك المرض دون علاج، فقد يموت الأشخاص المصابون من الجفاف والصدمة في أقل من 18 ساعة.

الجفاف والإسهال الشديد من أخطر مضاعفات مرض الكوليرا. ومع ذلك، قد تحدث مشاكل أخرى، مثل:

  • انخفاض سكر الدم
  • انخفاض مستويات البوتاسيوم في الجسم
  • الفشل الكلوي

كيفية تشخيص المرض

عادة ما يتم التشخيص الأولي من قبل الطبيب الذي يأخذ تاريخ الحالة ويلاحظ الإسهال المميز الذي يشبه ماء الأرز.

يتم تأكيد التشخيص عن طريق تحديد البكتيريا في عينة البراز. ويوضع التشخيص النهائي عن طريق عزل البكتيريا من سائل الإسهال.


علاج الكوليرا

يوصي مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها، باستخدم أملاح معالجة الجفاف الفموية كعلاج أولي للكوليرا. توجد هذه الأملاح في عبوات ومتوفرة في جميع أنحاء العالم.

تشمل الطرق الشائعة الأخرى لعلاج مرض الكوليرا ما يلي:

  • محاليل معالجة الجفاف الوريدية
  • المضادات الحيوية
  • مكملات الزنك

تساعد هذه العلاجات على ترطيب الجسم وتعويض سوائله المفقودة، وتسريع وقت التعافي.


هل يمكن الوقاية من عدوى الكوليرا؟

في العديد من البلدان المتقدمة نجحت بالفعل خطوات الوقاية من مرض الكوليرا والعديد من الأمراض الأخرى، نظراً لامتلاكها محطات معالجة المياه على نطاق واسع. إضافة إلى اتباع البروتوكولات الصحية في تحضير الطعام.

يمكن للأفراد تقليل أو منع فرص الإصابة بالكوليرا في المناطق التي ينتشر بها المرض، من خلال بعض الممارسات الصحية كما يلي:

  • غسل اليدين باستمرار
  • شرب المياه العالجة أو المغلية فقط
  • تجنب الأطعمة النيئة والمحار
  • تجنب منتجات الألبان

توجد لقاحات للكوليرا لكنها لا تعمل بشكل جيد تماماً، ويمكن أن تكون هناك فرصة ولو ضئيلة للإصابة بالكوليرا حتى لو تلقيت اللقاح، ومازال البحث والدراسات مستمرة.


اليوم، نادراً ما تحدث الكوليرا في الدول المتقدمة ودول العالم الأول. مع ذلك، لا يزال مرض الكوليرا موجودة في جميع أنحاء العالم. إذا أصبت بإسهال شديد بعد زيارة منطقة بها تسبة عالية من الكوليرا، فقم بزيارة الطبيب في أسرع وقت.

المراجع

467 مشاهدة

ساهم باثراء المحتوى من خلال اضافة تعليق