ما مدى انتشار كوفيد-19 داخل الجسد؟

COVID-19 rampage through the body

في البداية كانت فكرة المجتمع العلمي والعامة عن انتشار كوفيد-19 يقتصر على الرئة فقط، لكن بتزايد تقارير الحالات السريرية، أصبحت أجهزة مثل الجهاز الهضمي والعصبي وأعضاء مثل الكليتين والكبد محل إهتمام.

كتابة: محمد عصام | آخر تحديث: 28 أبريل 2020 | تدقيق: أميرة حامد
ما مدى انتشار كوفيد-19 داخل الجسد؟

عند الحديث عن انتشار كوفيد-19 داخل الجسد، تعتبر الرئة هي الأرضية الأساسية له، لكن كوفيد-19 ينتشر أيضًا للأعضاء الأخرى من الدماغ إلى الأوعية الدموية.

محاولة للفهم

قام الطبيب جوشوا دينسون في نيابتة في وحدة العناية المركزة في أحد الأيام، بتقييم بعض المرضى الذين يعانون من نوبات، والعديد من المرضى الأخرين الذين يعانون من فشل في التنفس، وآخرون كانت الكلى عندهم في حالة حرجة.

و قبل أيام، تخللت نيابتة حالة حرجة، عندما حاول وفشل فريقه، في إنعاش امرأة شابة قد توقف قلبها. يعقب دنسون، وهو طبيب صدر وعناية مركزة في كلية الطب بجامعة تولين بقول، أن جميع المرضى يتشاركون في شيء واحد، وهو أنهم جميعاً إيجابيون بكوفيد-19.

مع اقتراب عدد الحالات المؤكدة بكوفيد-19 من 2.5 مليون حالة على مستوى العالم، وتجاوز عدد الوفيات 166000. يكافح الأطباء وعلماء الأمراض لفهم الضرر الذي يحدثه انتشار كوفيد-19 عبر الجسم. وهم يدركون أنه على الرغم من أن الرئة هي المستهدف الأساسي، فإن انتشار كوفيد-19 يتخطى العديد من الأعضاء، بما في ذلك القلب والأوعية الدموية والكلى والأمعاء والمخ.

يقول اختصاصي أمراض القلب هارلان كرومهولز من جامعة ييل ومستشفى ييل-نيو هافن، والذي يقود جهودًا متعددة لجمع المزيد من البيانات السريرية حول انتشار كوفيد-19 داخل الجسد: “يمكن للمرض مهاجمة أي شيء تقريبًا في الجسم مع التسبب في مضاعفات خطيرة.”


فهم طبيعة الفيروس قد يمكننا من التعامل مع المرضى

يمكن أن يساعد فهم التفشي البشع للفيروس داخل الجسم، الأطباء في الخطوط الأمامية، على علاج ما يقرب من 5 ٪ من الأشخاص المصابين الذين تصبح حالتهم مأساوية وأحيانًا غامضة.

فمثلاً هل يؤدي الميل الخطير والملاحظ حديثًا إلى تجلط الدم، إلى تحويل بعض الحالات الخفيفة الأعراض إلى حالات حرجة يتهددها شبح الموت؟ وهل الاستجابة المناعية الزائدة وراء ازدياد الحالات سوءاً؟ قد يرجح لنا هذا، أن العلاج بالأدوية المثبطة للمناعة قد يمكننا من مساعدة الحالة. وما الذي يفسر انخفاض الأكسجين في الدم بشكل هائل حتى في المرضى الذين لا يعانون أي صعوبة في التنفس؟

يقول نيلام مانجالمورتي، طبيب الصدر في العناية المركزة في مستشفى جامعة بنسلفانيا: “قد يكون اتباع نظام منهجي للذي يحدث مفيداً عندما نبدأ بالتفكير في العلاجات للتعامل مع الحالات.”


كيف يهاجم فيروس كورونا جسم الإنسان؟

ما يلي هو لمحة سريعة لفهم كيفية مهاجمة الفيروس للخلايا داخل الجسم.

على الرغم من وجود أكثر من 1500 ورقة بحثية تتدفق الآن في الدوريات العلمية وتنشر مبدئياً كل أسبوع، إلا أن الصورة الواضحة بعيدة المنال، حيث يتصرف الفيروس بشكل لم تشهده البشرية على الإطلاق.

ولأن الدراسات الأكبر والمضبوطة التي يتم إطلاقها الآن قليلة. يجب على العلماء أخذ المعلومات من الدراسات الصغيرة وتقارير الحالات المصابة، التي يتم نشرها غالبًا بسرعة ولا يتم مراجعتها بعد من قبل الأقران.

تقول نانسي راو، طبيبة زراعة الكبد: “نحتاج إلى أن نكون منفتحين للغاية مع كم البيانات السريع الغير متحكم به مع تفاقم الوباء، فما زلنا نتعلم كل يوم شئ جديد عن طبيعة الفيروس.”

مفتاح الفيروس لدخول الخلايا

عندما يقوم شخص مصاب بطرد قطرات محملة بالفيروسات ويستنشقها شخص آخر، فإن فيروس كورونا المستجد، يدخل الأنف والحلق. وهناك، يجد منزلًا مرحبًا به في بطانة الأنف. ووفقاُ لدراسة حديثة، يفسَر هذا بكون خلايا الجهاز التنفسي غنية بمستقبلات معينة على سطحها تسمى الإنزيم المحول للأنجيوتنسين 2 (ACE2).

لذا يشير وجود هذا المستقبل، على سطح أي خلية في الجسم، إلى احتمالية غزو الفيروس لهذه الأنسجة. لأن الفيروس يتطلب ذلك المستقبل لدخول الخلية. وبمجرد دخوله، يقوم الفيروس باختطاف أجهزة الخلية. ويطوع الخلية لتكوين نسخ لا تعد ولا تحصى من نفسه وغزو خلايا جديدة.

بعد تكاثر الفيروس

عندما يتكاثر الفيروس، يفرز الشخص المصاب كميات وفيرة من الفيروس، خاصة خلال الأسبوع الأول. ولكن قد تكون الأعراض غائبة في هذه المرحلة. أو تكون الأعراض بعض الحمى أو السعال الجاف أو التهاب الحلق أو فقدان الرائحة أو الذوق أو آلام الرأس والجسم.

استمرار الانتشار

إذا لم يقم الجهاز المناعي بمهاجمة فيروس كورونا المستجد خلال هذه المرحلة الأولية. فإن انتشار كوفيد-19 يمتد إلى القصبة الهوائية لمهاجمة الرئتين.

وهناك، يمكن للفيروس أن يتحول إلى شكل مميت بمجرد وصولة إلى التفرعات النحيلة والبعيدة لشجرة الجهاز التنفسي للرئة. التي تنتهي بأكياس هوائية دقيقة تسمى الحويصلات الهوائية، كل منها مبطنة بطبقة واحدة من الخلايا الغنية أيضًا بمستقبلات ACE2.

عادة، يعبر الأكسجين الحويصلات الهوائية إلى الشعيرات الدموية. وهي أوعية دموية صغيرة تقع بجوار الأكياس الهوائية، ثم ينتقل الأكسجين إلى بقية الجسم.

لكن، بينما يحارب الجهاز المناعي مع هؤلاء الغزاة الجدد، تتعطل عملية نقل الأكسجين. حيث تطلق خلايا الدم البيضاء في الخط الأمامي جزيئات التهابية تسمى chemokines. والتي تستدعي بدورها المزيد من الخلايا المناعية التي تستهدف وتقتل الخلايا المصابة للحد من انتشار كوفيد-19، تاركةً مجموعة من السوائل والخلايا الميتة – صديد – خلفه.

الأمر أشبه بمخلفات المعركة أو ما تجلبها الحروب من دمار للمنطقة. هذه هي ديناميكة الالتهاب الرئوي، مع أعراضه المقابلة مثل السعال و الحمى، والتنفس السريع والضحل.

الحويصلات الهوائية في نهاية تفرعات الرئة

تدهور الحالة

لكن غالباً الأخرون تسوء حالتهم فجأة، ويطورون حالة تسمى متلازمة ضيق التنفس الحاد.  حيث تنخفض مستويات الأكسجين في الدم، ويصعب عليهم التنفس.

في صور الأشعة السينية والتصوير المقطعي، تكون الرئة المصابة مليئة بالعتامة البيضاء حيث يجب أن تكون المساحة سوداء -الهواء-. عادة ما ينتهي هؤلاء المرضى بالوضع على أجهزة التنفس الصناعي، لكن يموت الكثير منهم.

وقد يواجه الناجون مضاعفات طويلة الأمد. حيث تظهر عمليات التشريح أن الحويصلات الهوائية أصبحت مليئة بالسوائل وخلايا الدم البيضاء والمخاط وبقايا خلايا الرئة المدمرة.

يرجح بعض الأطباء في أن المضاعفات التنفسية الحرجة التي يمر بها بعض المصابين قد يكون سببها رد الفعل المفرط لجهاز المناعة بإفراز مواد كيميائية تسمى Cytokines، والتي من المعروف أن الالتهابات الفيروسية الأخرى تفرزها.

[tds_note]الـسيتوكينات، هي جزيئات إشارات كيميائية توجه الاستجابة المناعية الصحية.[/tds_note]

في الإفراز المفرط Cytokines، ترتفع مستويات بعض السيتوكينات أبعد مما هو مطلوب، وتبدأ الخلايا المناعية في مهاجمة الأنسجة السليمة. مما يترتب عليه تسريب للأوعية الدموية، وانخفاض ضغط الدم، وتكوين الجلطات، والفشل العضلي.

يقول جيمي غارفيلد، أخصائي أمراض الصدر الذي يعتني بمرضى كوفيد-19 في مستشفى جامعة تمبل: “ربما يكون المرض والوفيات الحقيقة لهذا المرض بسبب الاستجابة الالتهابية المفرطة والغير متناسبة للفيروس. لكن مازلنا بحاجة لمزيد من الأدلة، لكي يكون هناك قول قطعي في هذا الشأن، خصوصاً وأن هناك الكثير من الأدوية التي دخلت مراحل التجارب السريرية لردع هذه الاستجابة المناعية المفرطة. لكن مختصين أخرين نقلوا تركيزهم إلى أعضاء أخرى منها القلب والأوعية الدموية.”


انتشار كوفيد-19 في الجهاز الدوري (القلب والأوعية الدموية)

إن كيفية انتشار كوفيد-19 للقلب والأوعية الدموية ما زال غامضاً، لكن العشرات من التقارير الحديثة تؤكد أن هذه المضاعفات شائعة.

حيث ذكر في ورقة بحثية في 25 مارس في مجلة أمراض القلب المشهورة، تلف القلب فيما يقرب من 20 ٪ من المرضى من أصل 416 حالة من الذين أدخلوا المستشفى بسبب كوفيد-19 في ووهان، الصين.

وفي دراسة أخرى في ووهان، كان يعاني 44٪ من 36 مريضًا تم إدخالهم إلى وحدة العناية المركزة من عدم انتظام ضربات القلب.

يبدو أن انتشار كوفيد-19 يمتد أيضاً إلى الدم نفسه. فمن بين 184 مصاباً بكوفيد-19 في وحدات العناية المركزة الهولندية، كان 38 ٪ منهم لديهم تجلط في الدم بشكل غير مناسب، وثلثهم تقريبًا كانت لديهم جلطات بالفعل.

يمكن لجلطات الدم أن تتفتت وتسافر عن طريق الدم إلى أوعية الرئة الدموية، وهي حالة تعرف باسم الانسداد الدموي الرئوي، والذي أودى بحياة مرضى كثيرين بكوفيد-19، يمكن أن تهاجر الجلطات أيضاً إلى الشرايين في الدماغ، مما قد يسبب السكتة الدماغية.

يقول بهنود بكديلي، زميل طب القلب والأوعية الدموية في المركز الطبي بجامعة كولومبيا: إن العديد من المرضى لديهم مستويات عالية بشكل كبير من D-dimer ، وهو منتج ثانوي لجلطات الدم.

انقباض الأوعية الدموية

قد تؤدي العدوى أيضًا إلى انتشار كوفيد-19 إلى انقباض الأوعية الدموية. حيث تتزايد التقارير عن انخفاض في تدفق الدم في الأصابع والقدمين، والذي يمكن أن يؤدي إلى تورم وألم في الأصابع وموت الأنسجة الداخلية.

في الرئتين، قد يساعد انقباض الأوعية الدموية في تفسير التقارير الكثيرة المحيرة التي تظهر في حالات كوفيد-19، حيث يعاني بعض المرضى من مستويات منخفضة للغاية من الأكسجين في الدم، ومع ذلك لا يعانون من صعوبة في التنفس. في هذا السيناريو، يتم إعاقة امتصاص الأكسجين بواسطة الأوعية الدموية المقيدة بدلاً من انسداد الحويصلات الهوائية.

لذا، إذا كان انتشار كوفيد-19 للأوعية الدموية، فقد يساعد ذلك أيضًا في تفسير سبب معاناة المرضى الذين يعانون من مشاكل صحية مسبقة في تلك الأوعية في كثير من الأمراض، مثل مرض السكري وارتفاع ضغط الدم من خطر تكوين مضاعفات خطيرة.

حيث وجدت بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأخيرة على المرضى في المستشفيات في 14 ولاية أمريكية، أن حوالي ثلثهم يعانون من أمراض الرئة المزمنة، ومثلهم في النسبة مصابون بداء السكري، ونصفهم يعانون من ارتفاع ضغط دم مسبق.

“اقرأ أيضاً: من الذي يمتلك المناعة ضد فيروس كورونا؟


انتشار كوفيد-19 في الكلى

المخاوف حول العالم من نقص أجهزة التنفس الاصطناعي في الرئة المتدهورة حاز كل الاهتمام في الفترات الماضية. لكن لم يكن هناك تدافع على نوع آخر من المعدات وهي آلات غسيل الكلى.

تقول طبيبة الأعصاب جينيفر فرونتيرا من مركز لانجون الطبي بجامعة نيويورك، والذي عالج آلاف مرضى: “إذا كان الأشخاص المصابين لا يموتون بسبب فشل الجهاز التنفسي، فإنهم يموتون بسبب الفشل الكلوي.”

تقوم المستشفى التي تعمل فيها بتطوير بروتوكول لغسيل الكلى مع نوع مختلف من الأجهزة لدعم المزيد من المرضى. وترجح الطبيبة ما تراه هي وزملاؤها من استهداف  الفيروس الكليتين بسبب وفرة مستقبلات ACE2.

“اقرأ أيضًا: تأثير وباء كورونا على العالم


انتشار كوفيد-19 في الجهاز العصبي

مجموعة أخرى من الأعراض في مرضى فيروس كورونا المستجد تكون في انتشار كوفيد-19 إلى الدماغ والجهاز العصبي.

تقول فرونتيرا، أن 5٪ إلى 10٪ من مرضى الفيروس المستجد في مستشفيها يعانون من أعراض عصبية. لكنها تقول أنه ربما يكون هذا أقل من الإجمالي الكلي للعدد الذي يعاني من أعراض عصبية، وذلك بسبب أن العديد من المرضى مخدرون وعلى أجهزة التنفس الصناعي.

يقول روبرت ستيفنز، طبيب العناية المركزة في مستشفى جونز هوبكنز: إن المستقبلات موجودة أيضاً في الجهاز العصبي. ونحن نعلم أيضاً من فيروس السارس السابق أنه كان قادراُ على الانتشار للخلايا العصبية.


انتشار كوفيد-19  في الجهاز الهضمي

في مارس الماضي، عادت امرأة  تبلغ من العمر 71 عامًا من رحلة بحرية في نهر النيل مصابة بالإسهال الدموي والقيء وآلام في البطن.

في البداية اشتبه الأطباء في أنها تعاني بكتيريا في المعدة، مثل السالمونيلا. ولكن بعد أن أصيبت بالسعال، أخذ الأطباء مسحة أنفية ووجدوا أنها إيجابية لفيروس كورونا المستجد. كما أوضحت عينة براز إيجابيتها للفيروسي، وفقًا لورقة في المجلة الأمريكية لأمراض الجهاز الهضمي.

تشير التقارير الأخيرة إلى أن نصف المرضى، بمتوسط حوالي 20٪  من المرضى، يعانون من الإسهال

“اقرأ أيضاً: العلاج بالمضادات الحيوية لمضاعفات كوفيد-19يمكن أن يزيد البكتيريا المقاومة


انتشار كوفيد-19 في العين والكبد

الأمعاء ليست نهاية مسيرة المرض داخل الجسم. على سبيل المثال، يصاب ما يصل إلى ثلث المرضى في المستشفى بالتهاب في العين، حيث تكون عيونهم وردية ودامعة، على الرغم من أنه ليس من الواضح أن فيروس كورونا المستجد يغزو العين مباشرة. لذا، مازالت هناك حاجة للمزيد من الدراسات.

تشير تقارير أخرى إلى تلف الكبد، فأكثر من نصف مرضى COVD-19 الذين تم إدخالهم إلى المستشفى في مركزين صينيين؛ كانت لديهم مستويات مرتفعة من الإنزيمات الكبدية والتي تشير إلى إصابة الكبد أو القنوات الصفراوية.

لكن الكثير من المختصين لا يعزون ذلك إلى انتشار كوفيد-19 إلى الكبد مباشرة من قبل الفيروس، لكن قد يكون ذلك بسبب الإفراط في العلاجات أو ردة فعل الجهاز المناعي المفرطة.


لا تزال خريطة الدمار التي يمكن أن يسببها انتشار كوفيد-19 في الجسد مجرد رسم تخطيطي. سيستغرق الأمر سنوات من البحث الشاق لخلق صورة واضحة على طريقة انتشار الفيروس التاجي داخل الجسد.

462 مشاهدة

ساهم باثراء المحتوى من خلال اضافة تعليق