الأمراض المشتركة ، هل العدوى من الحيوانات خطيرة على البشر؟

0 5

في أعقاب وباء كورونا المستجد العالمي، الذي بدأ عندما قفز الفيروس من الحيوانات إلى البشر، يجب أن نسأل أنفسنا سؤالًا مهمًا، لماذا تعتبر الأمراض المشتركة مع الحيوانات، خطيرة جدًا على صحة الإنسان؟

في حين أنه لم يتضح بعد ما الحيوانات التي كانت مصدر لـ فيروس كورونا المستجد، هل كانت الخفافيش؟ هل كان آكل النمل الحرشفي؟ أم كان كلاهما؟ لكن ما هو أكيد للعلماء أن فيروس كورونا المستجد، نشأ من الحيوانات.

أعداد حالات كوفيد-19 المؤكدة في جميع أنحاء العالم مثيرة للانتباه. فوفقا لجامعة جونز هوبكنز، أصيب مئات الآلاف من الناس بالفيروس وتوفي عشرات الآلاف ( الرقم كل يوم يتغير بسرعة كبيرة).


 تاريخ الأمراض المشتركة

الأمراض المشتركة، أي الأمراض المكتسبة من الحيوانات،  كانت تؤثر على أعداد كبيرة من الناس في جميع أنحاء العالم قبل احتلال  فيروس كورونا المستجد مركز الصدارة.

على سبيل المثال، أفاد تقرير دولي من عام 2012، أن 56 من هذه الأمراض المشتركة كانت مسؤولة عن 2.5 مليار حالة مرضية و 2.7 مليون حالة وفاة في جميع أنحاء العالم كل عام. وشملت هذه الأمراض المشتركة:

إضافة إلى ذلك، تسببت أمراض الجهاز التنفسي التي تشبه الإنفلونزا المتنقلة والمشتركة من ومع الحيوانات في الكثير الخراب في القرن الماضي. حيث تسببت الأنفلونزا الإسبانية في وفاة حوالي 50 مليون شخص في عام 1918 ، وتسببت إنفلونزا هونج كونج في وفاة حوالي 700 ألف شخص في عام  1968.

لذا ، لماذا تعد الأمراض المشتركة التي يكتسبها البشر من الحيوانات خطيرة للغاية؟ جزء منه يرجع إلى نظام المناعة لدينا. وأيضاً جزء منه هو الانتخاب الطبيعي. قد يلعب الحيوان المحدد الذي ينقل الفيروس دورًا أيضًا.


الفيروس الحيواني ضد جهاز المناعة البشري

أحد أسباب خطورة هذه الفيروسات الحيوانية على البشر هو أن البشر ليس لديهم وسيلة للتعامل معها. فلم يتعامل نظام المناعة لدينا أبدًا مع هذه الأمراض المشتركة ولم يتعرفوا مسبقاً إلى بعضهم البعض، لذلك لا يعرف جهاز المناعة البشري كيفية الاستجابة لهذا الضيف الغير مدعو.

يوضح الباحثون أن معظم الفيروسات الحيوانية المنشأ التي تدخل جسم الإنسان، يتم تدميرها بنجاح بواسطة جهاز المناعة البشري، أو عبر مرورها عبر الجهاز الهضمي لدينا. ومع ذلك، بين الحين والآخر، يتمكن فيروس حيواني من التكاثر داخل المضيف البشري.

إن اللحظة التي يتكاثر فيها الفيروس الحيواني داخل أول جسم إنسان يدخله هي لحظة حاسمة. ففي هذه المرحلة المهمة جداً، يمكن للفيروس أن يتحور ويتطور، وذلك في ظل القيود الانتقائية في جسم الإنسان للمرة الأولى، فيتكيف الفيروس ويحسن نفسه من أجل التكاثر في هذا المضيف الجديد.

عند حدوث ذلك، يجب أن يتدارك جهاز المناعة البشري ذلك. فيحتاج جهاز المناعة البشري إلى اللحاق بتطور الفيروس وخلق استجابة مناعية سريعة له.

فلم يسبق لجسم الإنسان أن واجه مثل هذا التهديد من قبل. وبالتالي، ليس لديه مناعة موجودة مسبقًا في ترسانته المناعية، لذلك يجب أن يبتكر مناعة مضادة سريعًا.

لكن هذا الدفاع والذي يعد جزءاً من جهاز المناعة التكيفي، يستغرق أيامًا أو أكثر لتنشيطه. لكن في غضون ذلك، قد يكون الفيروس قد تطور بالفعل ليتمكن حينها من التكاثر بشكل أسرع أو حتى الهروب من الهجوم المضاد للجهاز المناعي.

جهاز المناعة التكيفي أو التخصصي هو الإستجابة المناعية التي تستطيع التفريق بين مسببات الأمراض المختلفة وتستجيب لهذا المسبب بإستجابة متخصصة له


سباق التسلح التطوري

بعبارة أخرى، دخل الفيروس الحيواني وجهاز المناعة البشري في سباق تسلح، وكما هو الحال في أي سباق تسلح، يمكن أن يفوز أحد المنافسين أو قد يصل كلا المتنافسين إلى طريق مسدود.

تحدثت شبكة ميديكال نيوز اليوم إلى كريستوفر كولمان، أستاذ مساعد علم المناعة المعدية في جامعة نوتنغهام في المملكة المتحدة، عن الفيروسات الحيوانية والمضيفات البشرية ودور التطور والإنتخاب الطبيعي.

وأوضح كريستوفر كولمان أن الافتراض العام هو أنه عندما تتطور الفيروسات لتتلائم مع المضيف البشري، فإنها تصبح أقل خطورة على ذلك المضيف.

فالفيروسات تريد التأكد من انتقالها الخاص، لذلك لا تريد الفيروسات قتل المضيف بسرعة قبل أن يكون لها فرصة التكاثر والتضاعف.

لكن كريستوفر صرح أن هذا ليس صحيحًا على الإطلاق دائماً.

لكن الفيروس الذي يتكيف مع البشر قد يكون أقل خطورة على المدى البعيد لأن سباق التسلح التطوري بين الفيروس والمضيف وصل إلى نوع من الجمود حيث لا يكون أي منهما سعيدًا تمامًا، لا أي منهما يقتل.

بالإضافة إلى ذلك، قال كولمان إن الفيروس الذي يتكيف تماماً مع المضيف الحيواني قد يكون ضارًا تمامًا للبشر.

وضح العالم كولمان، الذي تتركز أبحاثه الرئيسية على فيروسات كورونا البشرية شديدة الإمراض، أمثلة على فيروسات الحيوانات العدوانية داخل عائلة الفيروسات التاجية. تشمل هذه الفيروسات:

  • فيروس التهاب الشعب الهوائية المعدية  في الدجاج.
  • فيروسات التهاب الصفاق المعدي السنوري في القطط.
  • فيروس التهاب المعدة والأمعاء المتنقل، والذي يكون مميتًا بنسبة 100٪ في الخنازير.

.كما أضاف كولمان، أنه لا يُعرف عن أي من هذه الفيروسات أنها قد تصيب أو تسبب أي مرض لدى البشر

على الناحية الأخرى، فإن الفيروس الذي يتطور في الحيوانات ولكن لديه أيضًا القدرة على إصابة البشر قد يكون أكثر فتكًا إذا أو عندما يصيب البشر.

قد يكون هذا صحيحًا بشكل خاص عندما تكون أجهزة المناعة لدى الحيوانات مختلفة تمامًا عن تلك التي لدى البشر، أو عندما يكون لدى الحيوانات كيفية دفاع مناعية خاصة ضد الأمراض المشتركة يفتقر إليها البشر.


الخفافيش ومناعتهم المفرطة

على سبيل المثال، حقيقة أن هناك فيروسات ضارة جدًا مثل السارس، وميرس، والإيبولا والعديد من الأمراض المشتركة نشأت جميعها في الخفافيش تطرح السؤال. ما الذي تملكه الخفافيش ولا نعرفه نحن؟

كيف يمكن للخفافيش الطيران، وداخلها فيروسات والتي تكون، في بعض الأحيان، مميتة للغاية للبشر (مثل الإيبولا) ، ولكن لا يبدو أنها تضر بهذه المخلوقات على الإطلاق؟

تناولت دراسة جديدة، بقيادة كارا بروك، في جامعة كاليفورنيا بيركلي، هذا السؤال خصيصاً. و يوضح البحث كيف أن القدرات المناعية الفريدة للخفافيش تمكنهم من حمل ومحافظة مستوى عالي من الحمولة الفيروسية العالية دون أن يمرضوا أنفسهم.

يشرح بروك وزملاؤه في ورقتهم البحثية قائلاً أن بالخفافيش لديها، إستجابة مناعية مضادة للفيروسات تسمى مسار الإنترفيرون يتم تشغيله بشكل دائم.

في معظم الثدييات الأخرى، فإن وجود مثل هذه الاستجابة المناعية شديدة اليقظة من الممكن أن يسبب التهابًا ضارًا. لكن الخفافيش قامت بتكييف السمات المضادة للالتهابات التي تحميها من مثل هذا الضرر.

من قوة إلى قوة

هذه كلها أخبار رائعة للخفافيش، ولكن ما الإستفادة للثدييات الأخرى؟

للأسف، ليس كثيرًا. حقيقة أن الخفافيش لديها مناعة جيدة مثل هذه، تعني أن الفيروس لديه كل التشجيع الذي يحتاجه للتكاثر بسرعة أكبر.

القدرات المناعية الفريدة للخفافيش تجعل الفيروسات المسببة للأمراض المشتركة أقوى. إنه مثل تدريبهم مع منافس قوي ويزداد قوة نتيجة لذلك.

أجرت بروك وفريقها تجارب باستخدام أطباق خلوية معملية من نوعين من الخفافيش.

خلايا من الخفافيش مزروعة على طبق معملي يتمكن الفيروس من خلالها التكاثر وهذا يساعد الباحث على دراسة الفيروس

أظهرت النتائج أنه في كلا النوعين من الخفافيش، أن أقوى الاستجابات المناعية ضد الفيروسات كانت التي فيها الفيروس ينتشر بسرعة أكبر من خلية إلى أخرى.

يشير هذا إلى أن دفاعات الخفافيش المناعية قد تساعد تطور الفيروسات المشتركة بشكل أسرع، وفي حين أن الخفافيش محمية من التأثيرات الضارة لفيروساتها الكثيرة، فإن الكائنات الأخرى، بما في ذلك البشر، ليست كذلك.

إن نظام المناعة لدينا سيولد التهابًا شديداً إذا حاول اتباع هذه الاستراتيجية المضادة للفيروسات. ولكن يبدو أن الخفافيش مناسبة بشكل رائع لتجنب تهديد أمراض المناعة.


كوفيد-19، من أين؟ الخفافيش، آكل النمل، أم الثعابين؟

في حالة فيروس كورونا المستجد، يتم تداول نظريات متعددة حول الحيوان المحدد الذي انتقل منه السارس إلى البشر. العلماء ضموا أيضاً آكل النمل أو حتى الثعابين كحامل محتمل.

تعد معرفة الثدييات المعينة أمرًا حيويًا لأن الحيوان يمكن أن يقدم رؤى حول البنية الجينية للفيروس وطرق معالجته. ومع ذلك، من الضروري عدم استبعاد احتمال أن يكون لفيروس كورونا المستجد العديد من المصادر الحيوانية.

وتعليقًا على النظرية القائلة بأن البشر أصيبوا بالسارس  من آكل النمل الحرشفي، قال كولمان: إنها نظرية جيدة مثل أي نظرية. هذا، بالطبع ، لا يعني أن آكل النمل هو المصدر الوحيد، فقد قد يكون هناك الأنواع الأخرى.

على سبيل المثال ، مع” السارس الأصلي، كان قطط الزباد أشهر الأنواع المعنية، ولكن كانت هناك ثدييات صغيرة أخرى مصابة.

أيضًا، على الرغم من أن الجمل العربي هي مصدر فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، إلا أن هناك أدلة قوية على أن  الإبل الأخرى يمكن أن تصاب أيضًا .

بغض النظر عن الحيوانات التي نقلت فيروس كورونا المستجد للبشر على وجه التحديد، فقد يكون من الأهم أن نسأل، متى وأين تحور الفيروس؟


سيناريوهان مختلفين لـكوفيد-19

في دراسة حديثة، استخدم الباحثون بقيادة كريستيان أندرسن، أستاذ مساعد في علم المناعة وعلم الأحياء الدقيقة في معهد سكريبس للأبحاث في لاجولا، كاليفورنيا، البيانات الجينومية المتاحة لتحديد ما إذا كان أصل كوفيد-19 المستجد طبيعيًا أم من صنع البشر.

بعد تحديد أن الفيروس هو نتيجة للتطور الطبيعي، أوضح المؤلفون أنه اعتمادًا على ما إذا كان الفيروس قد تحور لشكله الحالي في الحيوانات أو البشر، فقد يكون مسار وباء الفيروس مختلفًا تمامًا.

كتب المؤلفون في دورية نيتشر، أن فيروس كورونا المستجد تحور وتطور مسبقًا في أنواع حيوانية أخرى، لذا هناك خطر حدوث وبائيات مستقبلية.

وبعبارة أخرى، إذا تطور الفيروس إلى حالته الحالية في الحيوانات، فإن الحيوانات ستستمر في نقله بين بعضها البعض، ويمكن للفيروس أن ينتقل مرة أخرى إلى البشر في أي وقت.

علاوة على ذلك، يقول الباحثون أن هذا السيناريو يفسر سبب انتشار كوفيد-19 بسرعة كبيرة. بالنظر إلى أنها قد طورت بالفعل سماتها المرضية في الحيوانات، فقد تم بالفعل تدريب فيروس سارس الجديد على الانتشار والتكاثرب بمجرد دخولها أول مضيف بشري لها.

يكتب أندرسن وزملاؤه: في المقابل، إذا حدثت العملية التكيفية عند البشر ، فحتى في حالة حدوث عمليات نقل من حيوان إلى إنسان، فمن غير المرجح أن تقلع دون نفس سلسلة الطفرات، وبالتالي تقليل فرص حدوث تفشي آخر.

في الوقت الحالي، من المستحيل معرفة أي من السيناريوهين الأكثر احتمالاً. فقط الوقت والمزيد من البحث العلمي سيخبرنا.

اترك رد