من الذي يمتلك المناعة ضد فيروس كورونا؟

0 2

من يمتلك المناعة ضد فيروس كورونا ؟ يتم اتخاذ قرارات مهمة حول هذا السؤال كما يجب أن يكون، بناءً على بصيص من البيانات المتوفرة من الحالات السريرية فقط.

من بين العديد من الأشياء الغير محددة بشكل قاطع المتعلقة بالمناعة ضد فيروس كورونا المستجد، هي كيفية استجابة جهاز المناعة البشري للعدوى وما يعنيه ذلك لانتشار المرض. يمكن أن تتراوح المناعة بعد أي عدوى من أن تكون مناعة مستمرة مدى الحياة وكاملة، إلى أن تكون غير موجودة تقريبًا. ومع ذلك، حتى الآن، لا تتوفر سوى بصيص قليل من البيانات حول الحصانة ضد فيروس كورونا المستجد.


النموذج المناعي وفائدته

ما الذي يمكن أن يفعله العلماء وصناع القرار، الذين يعتمدون على العلم لتمرير السياسات، في مثل هذه الحالة؟

أفضل طريقة هي بناء نموذج مفهوم -مجموعة من الافتراضات حول كيفية عمل المناعة- استنادًا إلى المعرفة الحالية التي نعرفها عن نظام المناعة والمعلومات حول الفيروسات ذات الصلة بفيروس كورونا المستجد. ثم تحديد كيف يمكن أن يكون كل جانب من جوانب هذا النموذج خاطئًا، وكيف يمكن للمرء أن يعرف ما سيحدث له وماذا ستكون الآثار المترتبة بالنسبة لحالته الخاصة.

بعد ذلك، يجب على العلماء الشروع في العمل لتطوير هذا الفهم بالملاحظة والتجربة.

الحصانة المناعية أكثر تعقيداُ

السيناريو المثالي هو أنه بمجرد الإصابة بالفيروس، يكون الشخص محصن مناعياً تمامًا مدى الحياة. وهذا بالفعل صحيح وواضح لعدد من حالات العدوى.

كمثال، الطبيب الدنماركي بيتر بانوم لاحظ هذه الحالة المناعية للحصبة عندما زار جزر فارو (تقع بين اسكتلندا وأيسلندا) خلال تفشي المرض عام 1846.

وجد بيتر أن السكان الذين تجاوزوا 65 عامًا، والذين كانوا على قيد الحياة خلال تفشي الحصبة السابق، في عام 1781، كانوا محميين من التفشي الثاني.

ساعدت هذه الملاحظة اللافتة للنظر في نشأة مجالات علمية جديدة، مثل علم المناعة وعلم دراسة الأوبئة.  ومنذ ذلك الحين، كما هو الحال في العديد من التخصصات الأخرى، تعلم المجتمع العلمي أن الأشياء غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه في الظاهر.

أحد الأمثلة على حالات العدوى الأكثر تعقيدًا، هو الحصانة المناعية ضد فيروسات عائلة الكورونا، وهي مجموعة كبيرة من الفيروسات التي تقفز أحيانًا من المضيفات الحيوانية إلى البشر.

يعد فيروس السارس المستجد ثالث أكبر وباء فيروس من هذه العائلة يصيب البشر في الآونة الأخيرة، بعد تفشي السارس في عام 2002 -2003 وتفشي فيروس الميرس الذي بدأ في عام 2012.


فهم المناعة ضد فيروسات كورونا

لا يأتي الكثير من فهمنا للمناعة ضد فيروسات عائلة الكورونا من السارس أو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (الميرس) السابقين، والتي أصابت أعدادًا صغيرة نسبيًا من الأشخاص، ولكن من فيروسات الكورونا التي تنتشر كل عام مسببة التهابات الجهاز التنفسي التي تتراوح من نزلات البرد إلى الالتهاب الرئوي.

في دراستين منفصلتين، قام الباحثون بإصابة متطوعين بشر بفيروس كوروني موسمي، وبعد ذلك بعام، تم حقنهم بنفس الفيروس أو فيروس مشابه لملاحظة ما إذا كانوا قد حصلوا على مناعة ضد فيروس كورونا أم لا.

في الدراسة الأولى، اختار الباحثون 18 متطوعًا أصيبوا بنزلات البرد بعد حقنهم  بسلالة واحدة من فيروسات الكورونا في عام 1977 أو 1978.

تمت إعادة اختبار ستة من هؤلاء الأشخاص بعد عام واحد بحقنهم من نفس السلالة، ولم يصب أي منهم. من المفترض أن يكون ذلك بفضل الحماية المكتسبة من خلال الاستجابة المناعية في أجسادهم  للعدوى الأولى.

تعرض المتطوعون الـ 12 الآخرون إلى سلالة مختلفة قليلاً من فيروسات عائلة الكورونا بعد عام، فكانت حصانتهم المناعية من ذلك الفيروس جزئية فقط.

في دراسة أخرى نشرت في عام 1990، تم حقن 15 متطوعًا بأحد فيروسات كورونا. أصيب 10 من هؤلاء المتطوعين. في السنة التالية، عاد 14 شخصًا للحصول على حقن آخر بنفس السلالة. فأظهروا أعراضًا أقل حدة وأنتجت أجسامهم كمية أقل من الفيروس مقارنة بالحقنة الأولي، خاصة أولئك الذين أظهروا استجابة مناعية قوية أكثر من المرة الأولى.


الحصانة المناعية لسارس وميرس

لم تجر تجارب من هذا القبيل لحقن بعض متطوعين بشر لدراسة الحصانة المناعية من السارس والميرس. لكن قياس نسبة الأجسام المضادة في دم الأشخاص الذين نجوا من هذه العدوى، تشير إلى أن هذه الحصانة المناعية تستمر لبعض الوقت، حوالي العامين بالنسبة للسارس، وفقًا لإحدى الدراسات، وما يقرب من ثلاث سنوات لـ  متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (الميرس) وفقًا لدراسة أخرى.

ومع ذلك، فإن قدرة معادلة الفيروس أو تخفيف حدته بواسطه هذه الأجسام المضادة – مقياس لمدى تثبيط الأحسام المضادة لتكاثر الفيروس – كانت في انخفاض بالفعل خلال فترات الدراسة.


الدراسات المسبقة وفيروس كورونا المستجد

تشكل هذه الدراسات الأساس العلمي لتخمين ما قد يحدث مع مرضى كوفيد-19.

بعد الإصابة بمرض السارس المستجد سيكون لدى معظم الأفراد استجابة مناعية، وسيكون بعضها أفضل من البعض الآخر. قد يتم افتراض أن هذه الاستجابة ستوفر بعض الحماية على المدى المتوسط لمدة قد تصل على الأقل لعام، ومن ثم قد تنخفض فعالية هذه الحصانة المناعية.

يوجد أدلة أخرى تدعم هذا النموذج. نشرت دراسة تمت مراجعتها من قبل الأقران، بقيادة فريق من جامعة إيراسموس في هولندا، بيانات من 12 مريضًا تبين أنهم طوروا أجسامًا مضادة بعد الإصابة بفيروس كورونا المستجد.

مراجعات الأقران هي أحد المباحثات الموجودة في المنهجية العلمية.

يقول الفريق في المراجعة:

“لقد قمت والعديد من زملائي وطلابي بتحليل إحصائي لآلاف من حالات فيروسات عائلة كورونا الموسمية في الولايات المتحدة، واستخدمت نموذجًا رياضيًا لاستنتاج أنه من المحتمل أن يتكون حصانة مناعية لمدة قد تصل لعام أو نحو ذلك لفيروسات عائلة كورونا الموسمية الأكثر ارتباطًا وثيقًا بفيروس كورونا المستجد-كوفيد-19-، وهذا يعد  مؤشر للكيفية التي يمكن أن تتصرف عليها المناعة ضد فيروس كورونا.”


مناعة القطيع

إذا كان صحيحًا أن العدوى تخلق مناعة في معظم الأفراد أو جميعهم، وأن المناعة ضد فيروس الكورونا  من الممكن أن تستمر لمدة عام أو أكثر، فإن إصابة أعداد أكبر من الأشخاص في أي مجتمع معين سيؤدي إلى تكوين ما يسمى الحكاك العقدي.

مع تزايد عدد الأشخاص الذين يصبحون محصنين ضد الفيروس، يكون لدى الشخص المصاب فرصة أقل أن ينقل العدوى لشخص عرضة للإصابة.

في نهاية المطاف، تصبح مناعة القطيع منتشرة بما يكفي بحيث يصيب الشخص المصاب على المتوسط عدد أقل من أي شخص آخر. عند هذه النقطة، يبدأ عدد الحالات في الانخفاض.

إذا كانت مناعة القطيع منتشرة بشكل كافٍ، فعندئذ حتى في حالة عدم وجود خطوات احترازية مثل الحظر والتباعد الاجتماعي لإبطاء الانتقال، سيتم احتواء الفيروس، على الأقل حتى تتلاشى أو تضعف المناعة الموجودة أو يولد ما يكفي من الأشخاص الجدد المعرضين للإصابة.

الأرقام المسجلة حالياً

في الوقت الحالي، تم احتساب حالات فيروس كورونا المستجد بشكل أقل مما يبدو عليه في الواقع، بسبب الاختبارات التشخيصية المحدودة.

ربما قد يصل لعشر أضعاف الرقم المسجل، مثل إيطاليا حتى أواخر الشهر الماضي. إذا كان العدد الناقص حول هذا المستوى في البلدان الأخرى أيضًا ، فإن غالبية السكان في كثير من أنحاء العالم (إن لم يكن جميعهم) لا يزالون عرضة للإصابة. لذا تعتبر مناعة القطيع ظاهرة مستبعدة في الوقت الحالي.

وتعتمد السيطرة على الفيروس على المدى الطويل على حصول الغالبية من الناس على المناعة، إما من خلال العدوى والتعافي أو من  خلال اللقاح. ولتحديد العدد اللازم لذلك، هناك معايير أخرى للعدوى لا تزال غير معروفة حتى الأن.


“اقرأ أيضاً: لماذا انخفضت حالات الإصابة بكوفيد-19 بشكل حاد في كوريا الجنوبية؟”


هل يمكن الإصابة بعدوى فيروس كورونا مرتين؟

أحد الأسئلة المطروحة حالياً، هو هل يمكن الإصابة مرة أخرى؟ حيث أفادت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في كوريا الجنوبية أن 91 مريضًا مصابًا بفيروس كورونا المستجد مؤخراً تم اختبارهم سلبيًا للفيروس، ثم تم اختبارهم لاحقًا مرة أخرى ليتبين أنهم إيجابيين.

إذا كانت بعض هذه الحالات هي في الواقع حالات عدوى أخرى، فإنها ستلقي بظلال من الشك على قوة المناعة ضد فيروس كورونا التي طورها المرضى لهذا المرض.

النتائج السلبية الكاذبة

الاحتمال البديل، الذي يعتقده العديد من العلماء أنه من المرجح أكثر، أن نتيجة هؤلاء المرضى كانت سلبية كاذبة، أي أن العدوى موجودة لكن الاختبار أظهر كذباً نتيجة سلبية. وهذا يمكن تفسيره إما بسبب وجود عدوى حديثة، أو أن العدوى قد تراجعت مؤقتًا ثم عاودت الظهور.

مركز مكافحة الأمراض في كوريا الجنوبية يعمل الآن لتقييم مزايا كل هذه التفسيرات. كما هو الحال مع الأمراض الأخرى التي قد يكون من الصعب التمييز بين العدوى المستجدة و ظهور جديد للعدوى القديمة  مثل مرض السل . يمكن حل هذه المشكلة عن طريق مقارنة تسلسل الجينوم الفيروسي من الفترتين الأولى والثانية من العدوى.


المناعة ضد فيروس كورونا في البلدان الأكثر إصابة

في الوقت الحالي، من المنطقي الافتراض أن أقلية فقط من سكان العالم تمتلك المناعة ضد فيروس كورونا المستجد، حتى في المناطق المتضررة بشدة. كيف يمكن أن تتطور هذه الصورة المؤقتة مع ظهور بيانات أفضل وأوضح؟  تشير البيانات المبكرة إلى أن الوضع يمكن أن يتغير إلى أي من الاتجاهين.

الأعداد المصابة أكبر بكثير

من الممكن أن يكون عدد الحالات الفعلية أكثر بكثير مما تم الإبلاغ عنه أو تسجيلة، حتى بعد حساب الاختبارات المحدودة.

تشير إحدى الدراسات الحديثة (التي لم تتم مراجعتها بعد من قبل الأقران)، إلى أنه بدلاً من وجود 10 أضعاف عدد الحالات المكتشفة، قد يكون لدى الولايات المتحدة بالفعل أكثر من 100 أو حتى 1000 مرة من الرقم الرسمي المعلن.

هذا التقدير هو استدلال غير مباشر من الارتباطات الإحصائية. ولكن إذا كان هذا صحيحًا، فإن مناعة القطيع ضد فيروس كورونا المستجد يمكن أن تتراكم بشكل أسرع مما تشير إليه الأرقام الشائعة.

الأعراض البسيطة ومناعة القطيع

مرة أخرى، تشير دراسة حديثة أخرى (لم تتم مراجعتها بعد من قبل الأقران) إلى أنه ليس كل حالة إصابة قد تساهم في مناعة القطيع. من بين 175 مريضا صينيا يعانون من أعراض خفيفة من فيروس كورونا المستجد، طور 70 في المائة استجابات قوية للأجسام المضادة، لكن حوالي 25 في المائة طوروا استجابة منخفضة وحوالي 5 في المائة لم يسجيبوا على الإطلاق.

وبعبارة أخرى، قد لا يؤدي المرض في شكله البسيط إلى تطوير المناعة ضد فيروس كورونا. وبالمثل، سيكون من المهم دراسة الاستجابات المناعية للأشخاص الذين يعانون من عدم وجود أعراض لتحديد ما إذا كانت الأعراض، وشدتها، تتنبأ بما إذا كان الشخص يصبح محصنًا.


هناك حاجة إلى مزيد من العلم حول كل جانب من جوانب المناعة ضد فيروس كورونا الجديد، ولكن في حالة هذا الوباء، كما هو الحال مع الوبائيات السابقة، يجب اتخاذ قرارات جادة قبل ظهور البيانات النهائية.

وبالنظر إلى هذا الوضع الحرج، فإن الطريقة العلمية التقليدية – صياغة الفرضيات والاختبارات عن طريق التجارب وعلم الأوبئة الدقيق – في تسارع هائل من أجل وضع نماذج مناعية واتخاذ القرارات بناء على ذلك.

اترك رد