فيكتور فرانكل (1905 – 1997)

فيكتور فرانكل (1905 – 1997)

د. اسراء احمد
مقالات
د. اسراء احمد9 أبريل 202030 مشاهدةآخر تحديث : منذ سنة واحدة

فيكتور فرانكل الطبيب النفسي النمساوي، أحد الناجين من الهولوكوست. ابتكر فرانكل شكل التحليل الوجودي المعروف باسم العلاج بالمعنى. وفي كتابه الشهير “الإنسان يبحث عن المعنى” ناقش تجربته الحياتية المؤلمة في معسكر الاعتقال النازي.

من خلال تجربته في زمن الحرب، أدرك فرانكل أنه حتى أسوأ تجارب الحياة تحمل معنى بداخلها. وخلص إلى أن الحياة تستحق دائماً الاستمرار. كان لفرانكل تأثيراً كبيراً في علم النفس الإنساني، إضافة إلى كونه مؤسساً لمدرسة العلاج بالمعنى.


نشأته

ولد فيكتور فرانكل في 26 مارس 1905. وهو الثاني من بين ثلاثة أطفال لعائلة يهودية في فيينا. والدته إلسا فرانكل، ووالده غابرييل فرانكل، كانا موظفين حكوميين.

جاءت الحرب العالمية الأولى، ومثل العديد من العائلات الأخرى في ذلك الوقت، كان على عائلة فرانكل أن تتعامل مع الفقر المرير. اضطر هو وأشقاؤه للانتقال من مزرعة إلى أخرى، يتوسلون للحصول على الطعام.

برع فرانكل في دراسته، وكان مهتماً بشدة بعلم النفس البشري والفلسفة. وفي عام 1921، وقبل تخرجه من المدرسة الثانوية بعامين، ألقي فرانكل كلمة بعنوان “عن معنى الحياة”. وعندما حان الوقت لكتابة مقالة التخرج، ماذا كان سيكتب فرانكل سوى “سيكولوجية الفكر الفلسفي”.

عندما بلغ فرانكل 16 عاماً أرسل لـ سيجموند فرويد خطاباً وأدرج فيه نسخة من إحدى كتاباته. وبشكل مثير للإعجاب، طلب فرويد من فرانكل السماح له بنشر إحدى أوراقه. وبحلول عامه العشرين، كان فيكتور فرانكل على اتصال وثيق بالدكتور سيجموند فرويد.

إلى جانب علم النفس، أمضى فيكتور فرانكل سنوات دراسته الثانوية، منغمساً في السياسة. كانت لديه ميولاً اشتراكية، وانضم إلى أكثر من منظمة شبابية مكرسة لهذه القضية.

في عام 1925، تخرج فيكتور من المدرسة الثانوية، وبدأ في دراسة الطب للحصول على شهادته.


“اقرأ أيضاً: سلفادور دالي (1904-1989)


دراسة فيكتور فرانكل للطب النفسي وعلم الأعصاب

مع سلسلة من الإنجازات في مجال علم النفس، التي تحققت بالفعل خلال سنوات مراهقته، توجه فرانكل إلى جامعة فيينا لدراسة علم الأعصاب والطب النفسي رسمياً.

في البداية، قام فيكتور فرانكل بدراساته في النظريات والأفكار التي قدمها سيجموند فرويد. لكن بمرور الوقت، بدأ بالميل أكثر نحو أفكار ألفريد أدلر. طور فرويد التحليل النفسي، وأضاف إليه أدلر، وأصبح فرانكل ثالث عمالقة الطب النفسي في فيينا. حيث طور ما يسمى بالعلاج بالمعنى، كجزء أساسي من دراسة سيكولوجية الإنسان.

لكن، قبل أن يصبح طبيباً نفسياً ذا شهرة عالمية، كان فرانكل يحدث فارقاً أقرب إلى وطنه. كطالب، بدأ فيكتور بنشاط لتنفيذ ما كان يتعلمه والنظريات التي كان يطورها. تجاوز مجرد الاهتمام الأكاديمي بالنفس البشرية، كان فرانكل قادراً على إنقاذ الأرواح.

خلال فترة دراسته كطالب في الطب، لاحظ فرانكل ميولاً مقلقة بين طلاب المدارس الثانوية النمساوية. عندما تم إعلان الدرجات في نهاية الفصل الدراسي، كان هناك ارتفاعاً في حالات الانتحار.

قاد فرانكل مبادرة لتقديم استشارات مجانية للطلاب، مع التركيز على مساعدتهم في نهاية الفصل الدراسي. وبشكل لا يصدق، كانت السنة الأولى التي تم فيها تنفيذ برنامج فرانكل، هي أيضاً المرة الأولى في الذاكرة الحديثة التي لا توجد فيها حالات انتحار للطلاب في فيينا.

مع نجاح مثبت في تقليل معدلات الانتحار، انتقل فيكتور فرانكل ليصبح رئيساً لبرنامج مكافحة الانتحار في مستشفى فيينا للطب النفسي. وفي الفترة ما بين عامي 1933 و1937، عمل مع الآلاف من النساء اللاتي يواجهن خطر الانتحار. وفي عام 1937، فتح عيادته الخاصة.

لكن، بعد مرور عام، اقتُلع عالم فرانكل!


الحرب العالمية الثانية

في عام 1938، غزت ألمانيا النمسا. كان فيكتور فرانكل يهودياً، ولم يكن يُسمح له في ظل النظام النازي بعلاج مرضى الآرية. وكانت مستشفى روتشيلد في فيينا هي المكان الوحيد الذي يمكن فيه علاج المرضى اليهود. لذلك، تم استدعاء فرانكل لاستخدام مواهبه هناك كرئيس لقسم الأعصاب.

أثناء عمله في روتشيلد، وكحال الكثير من اليهود الأوروبيين، كان فرانكل منتظراً أيضاً لسماع أخبار تنقذه من الوضع الصعب الذي كان فيه هو وكثير من اليهود. تقدم بطلب للحصول على تأشيرة دخول الولايات المتحدة، وكان بحاجة فقط لرقم اليانصيب الخاص به.

لقد كان أحد المحظوظين، جاء رقم اليانصيب قبل دخول الولايات المتحدة إلى الحرب. لكن قرار فرانكل بمغادرة النمسا لم يكن سهلاً. تنطبق التأشيرة فقط على فرانكل، وليس على أي من أفراد عائلته الآخرين. سيترك والديه وإخوته في بيئة مرعبة تماماً، وكان فرانكل يعرف أنه من المرجح أن ينتهي مصيرهم في معسكر اعتقال.

أخذ فرانكل قراراً صارماً، وهو أن يبقى في النمسا مع عائلته، ويواجه معهم الأهوال التي جلبها النازيون.

تزوج فيكتور فرانكل من زوجته تيلي في عام 1941. أراد الاثنان أن ينجبا أطفال. لكن، لم يُسمح للأزواج اليهود بإنجاب الأطفال. حملت زوجة فرانكل، ولم يُسمح لها بالولادة. أُجبرت على الإجهاض.

في عام 1942، تحقق ما كان يخشاه فرانكل. تم القبض عليه هو وزوجته ووالديه. تم إرسالهم في البداية إلى معسكر في تشيكوسلوفاكيا. وهناك، فعل فرانكل ما في وسعه لمساعدة الآخرين، وإدارة عيادة، ومساعدة السجناء الجدد على التعامل مع الصدمة الحادة للدخول إلى المعسكر.

نجا فرانكل وزوجته ووالدته، لكن والده لم يفعل. مات بعد ستة أشهر فقط من دخول المعسكر.

في عام 1944، أُمر فرانكل بالذهاب إلى أوشفيتز. كما أُمرت والدته. لكن تيلي لم تُطلب، لذا تطوعت ليتم نقلها إلى هناك. بعد وصولها إلى أوشفيتز، تم الدفع بتيلي إلى بيرجن بيلسين، بينما تم الإبقاء على فيكتور فرانكل ووالدته في أوشفيتز.

في البداية، تم الاحتفاظ بهما وخمسمائة آخرين في سقيفة مخصصة لاستيعاب 1/6 فقط من هذا العدد. كانت الأرض عارية، واضطر السجناء إلى القرفصاء لأيام، بينما كانوا يعيشون على قطعة صغيرة من الخبز. من هنا، تم توجيه السجناء إلى خطين: واحد إلى غرف الغاز، والآخر إلى سنوات طويلة من العمل والبؤس.

تم إعدام والدة فرانكل في غرف الغاز، وبالكاد نجا فرانكل من هذا المصير.

ماتت تيلي على يد النازيين في المعسكر المعروف باسم بيرغن بيلسن، ولم يعلم فرانكل أنها ماتت حتى انتهت الحرب وتم تحريره عام 1945.

طول فترة معاناته في المعسكرات، ودون معرفة مصير تيلي، كان فيكتور فرانكل قادراً على العثور على معنى ومستوى من الراحة في معرفة الحب. فكر بها طوال محنته في معسكرات الاعتقال. وأدرك كيف ساعده ذلك. بدأ في التفكير حول معنى الحب للحياة البشرية، وظهر تفكيره هذا في كتابه الشهير “الإنسان يبحث عن المعنى”.

يقول فرانكل: “للمرة الأولى في حياتي، رأيت الحقيقة كما في أغنية الشعراء. الحقيقة، أن الحب هو الهدف الأسمى والأعلى الذي يمكن للإنسان أن يطمح إليه. خلاص الإنسان لا يكون إلا بالحب وفي الحب. لقد فهمت كيف يمتلك الإنسان المعدم الثروة الحقيقية، سواء للحظة أو للأبد، عبر امتلاك القدرة على استعادة حبه وقربه من محبوبه في الذهن.”

في معسكرات الاعتقال، كان على فرانكل أن يصرف نفسه عن حقيقة ما كان يمر به. رأى الموت والمعاناة عن قرب، اضطر إلى ركوب سيارات الماشية، واضطر إلى السير، وأصيب بحمى التيفوئيد، وتم فصله عن أفراد أسرته. إذن ما هي الطريقة التي دفع بها من أجل البقاء؟

كما يشرح: “حاولت مراراً أن أنأى بنفسي عن البؤس الذي أحاطني. أتذكر أنني سرت في صباح أحد الأيام من المعسكر إلى موقع العمل، بالكاد أستطيع تحمل الجوع والبرد وألم قدمي المتجمدة والمتورمة. بدا وضعي قاتماً، وحتى ميؤوساً منه. ثم تخيلت أنني أقف في محاضرة في قاعة جميلة وكبيرة ودافئة. كنت على وشك إلقاء محاضرة لجمهور مهتم حول (تجارب العلاج النفسي في معسكرات التركيز) -وهو العنوان الفعلي الذي استخدمه لاحقاً- في المحاضرة الخيالية أعلنت عن الأشياء التي أعيشها الآن. وصدقوني، في تلك اللحظة، لم أكن أجرؤ على أن أتمنى إلقاء مثل هذه المحاضرة في يوم من الأيام.


“اقرأ أيضاً: ماري كوري (1867-1934)


ما بعد الحرب العالمية الثانية

في أبريل عام 1945، جاء الجنود الأمريكيون لتحرير معسكرات الاعتقال. مما يعني أن فيكتور فرانكل أصبح مرة أخرى إنساناً حراً. عاد إلى العالم بشكل جديد، كانت لديه أفكاره وتعليمه وحياته المهنية.

وضع فيكتور أفكاره في الكتابة. وفي تسعة أيام فقط في صيف عام 1945، كتب فرانكل مخطوطة كاملة. وكانت النتيجة “الإنسان يبحث عن المعنى”، وهو وصف لما كانت عليه الحياه في معسكرات الاعتقال النازية، والاعتقاد المتزامن الذي كان لدى فرانكل خلال فترة اعتقاله، عن حاجة الإنسان إلى المعنى ودور المعاناة في العالم. كان الكتاب بمثابة الخطوط العريضة الأساسية لـ “العلاج بالمعنى”

بحلول عام 1946، عاد بالكامل إلى عالمه المهني، حيث كان يدير عيادة في فيينا لأمراض الأعصاب. بحلول عام 1948، حصل على دكتوراة في الفلسفة. ثم بدأ بالتدريس في جامعة فيينا، حيث سيبقى كأستاذ حتى عام 1990.

بعد إطلاق سراحه من معسكر الاعتقال، تزوج فرانكل في عام 1947، من إليونور شوينت، ورزقا بابنة. اتبعت ابنة فرانكل خطى والدها وأصبحت طبيبة نفسية للأطفال فيما بعد.

على الرغم من تدريسه في جامعة فيينا، سرعان ما بدأت تعاليم فرانكل في إحداث تأثير عالمي. مع فرويد وأدلر أسلافه، أصبحت فيينا نفسها مركزاً للدراسة النفسية والطب النفسي.

كان فرويد وأدلر هما المدرستان الأولى والثانية للعلاج النفسي في فيينا. وأصبحت أفكار فيكتور فرانكل حول الإنسان الذي يحتاج إلى المعنى في حياته، هي المدرسة الثالثة.

بحلول منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، تمت دعوة فرانكل للتحدث في مختلف الجامعات حول العالم. كما أنشأ الجمعية الطبية النمساوية للعلاج النفسي. وبحلول عام 1961، عمل كأستاذ زائر في هارفارد. وتم ترسيخ أفكاره في أذهان من يدرسون العلاج النفسي في الولايات المتحدة.

استمرت مسيرته الأكاديمية في النمو، حيث حاضر في أكثر من 200 جامعة وحصل على 29 درجة فخرية. وعلى الرغم من أن “الإنسان يبحث عن المعنى” هو أشهر أعماله، إلا أنه كتب ونشر 39 كتاباً آخر خلال حياته.


وفاته

في الثاني من سبتمبر عام 1997، توفي فيكتور فرانكل بفشل في القلب، مسدلاً الستار على حياة مليئة بالمعاناة والمعاني. وحياة واحداً من أهم الرواد في علم النفس الإنساني.

أثناء وجوده في معسكرات الاعتقال النازية، اختار فيكتور فرانكل التفكير في زوجته، ومهنته، وكيفية استخدام خبرته لمساعدة الآخرين. سرق الورق من مكاتب المخيم لتدوين أفكاره، وخبأها في بطانة سترته. ضاعت الملابس، وعاشت الأفكار في ذهن فرانكل.

كان يمكن أن يتخلى فرانكل عن أفكاره، أو يتخلى عن حياته، كان يمكن أن يعيش حياة مريرة بعد كل ما مر به. لن يلومه أحد. لكن بدلاً من ذلك، لمست حياته الملايين، وتم ترجمة كتابه إلى 74 لغة. وأثر على أجيال من الأطباء النفسيين الجدد الذين سيمضون حياتهم في مساعدة الناس.

في الواقع، كان فيكتور فرانكل.. حياة عِيشت بالمعنى.

موقع السوق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.