الوصمة والتمييز

الوصمة والتمييز

تنتشر المشكلات النفسية وتؤثر على ملايين الأشخاص، ورغم ذلك؛ ما زالت وصمة عار قوية تحيط بالمرض النفسي، كما يتعرض مرضاه للتمييز.

يؤكد المصابون بأمراض نفسية أن الوصمة والتمييز يفاقمان من المصاعب، ويجعلان من الشفاء عملية أصعب. فما تعريف الوصمة والتمييز، وما أسباب التعرض لهما، وما هي  تأثيراتهما السلبية على المرضى النفسيين، كما سنتعرف أيضًا على أنواع التمييز، وأهم طرق التصدي للوصمة والتمييز.


الوصمة والتمييز

وصمة العار (stigma) هي موقف اجتماعي سلبي، غير عادل، تجاه شخص أو جماعة، غالبًا ما يُوصمون بالعار نتيجة نقص في وعي الآخرين وفهمهم. أو لاختلاف في وجودهم، أو بسبب سمة معينة مثل لون البشرة، أو الخلفية الثقافية، أو الإعاقة، أو المرض نفسي. تحدث الوصمة عندما يُعرّف شخص ما شخصًا آخر بمرضه وليس بكونه شخصًا. مثال: ينعت شخص بأنه “ذهاني” وليس بأنه يعاني من مرض الذهان. أما عندما يعامله أحدهم بطريقة سيئة بسبب معاناته من مرض نفسي فهذا يسمى تمييزًا (discrimination).

تنبع الوصمة والتمييز من عدة مصادر كالمجتمع، أو أصحاب العمل، أو وسائل الإعلام، وحتى الأصدقاء والعائلة. أيضًا قد يختبر الشخص ما يسمى بالوصمة الداخلية (internalised stigma)، وتتجلى عندما يتقبل الرسائل السلبية أو الصور النمطية عن نفسه. وعليه ينبغي التعرف على طرق التصدي للوصمة والتمييز، والتعامل معهما لإنهاء هذه الحالات غير الصحية.


وصمة المرض النفسي

حسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، تعتبر الأمراض النفسية أكثر الحالات الصحية شيوعًا بين الأمريكيين، ومع ازدياد عدد من يعاني ضعفًا في الصحة النفسية، أصبح المجتمع مجهزًا أكثر لتلبية حاجاتهم، لكن بقيت الوصمة تحيط بالمرض النفسي وطلب المساعدة. ويحتاج أكثر من 50% من البالغين لرعاية نفسية في مرحلة ما من حياتهم. بالإضافة إلى أن واحد من أصل 25 شخصًا حاليًا، يعاني مرضًا نفسيًا خطيرًا مثل اضطراب الشهية، أو اضطراب الهلع، أو اضطراب ما بعد الصدمة، أو مرض الاكتئاب الرئيسي.

بين مسح وطني أن 11.2% من البالغين الأمريكيين يعانون بانتظام من مشاعر القلق، والعصبية، أو الخوف, بينما يعاني 4.7% من مشاعر الحزن أو أعراض الاكتئاب المتكررة .

وبالنظر إلى مدى شيوع المرض النفسي بين الناس، يثير مستوى الوصمة الموجودة في المجتمع الاستغراب والدهشة، وغالبًا ما يكون متناقضًا. على سبيل المثال؛ توصّل أحد المسوح إلى أن القسم الأعظم من الأمريكيين يؤمنون بضرورة دعم المرضى النفسيين، من أجل أن يحيوا حياة طبيعية مع غيرهم، ممن يستطيع مساعدتهم  في الشفاء. وأوضح، أن الناس عمومًا لا يؤمنون بأن المرضى النفسيون خطيرون جدًا أو عنيفون. أيضًا بين مشاركون في هذا المسح أنهم لا يدعمون فكرة إقصاء من يعاني من حالة نفسية عن المجتمع. كما أوضح ثلثا المستجيبين تقريبًا أن الكثير من الوصمة ما زال ملازمًا للمرض النفسي، في حين قال نصفهم إنه لا يرحب بوجود منشأة للصحة العقلية بجواره.

اقرأ أيضًا: أهداف الصحة النفسية ومؤشراتها وتأثيرها على الفرد والمجتمع


التأثيرات السلبية للوصمة والتمييز

 

الوصمة والتمييز
الآثار السلبية للوصمة والتمييز

يؤكد تسعة من أصل عشرة من الأشخاص الذين يعانون حالات نفسية التأثير السلبي للوصمة والتمييز على حياتهم. ومن المعروف أن المرضى النفسيون هم الأقل حظًا بين المجموعات التي تعاني حالات صحية طويلة الأمد أو إعاقات، وذلك في مجال:

  • إيجاد عمل.
  • العلاقات الطويلة، المستقرة.
  • العيش في مسكن لائق.
  • أن يكونوا اجتماعيين. ومندمجين مع تيار المجتمع.

أيضًا تؤثر الوصمة والتمييز في:

  • ازدياد سوء حالة المريض النفسي.
  • تأخير أو منع حصوله على المساعدة.
  • إيقاع المريض في حلقة مفرغة من الأمراض، حيث ترتبط العزلة الاجتماعية، والسكن غير اللائق، والبطالة والفقر بالأمراض النفسية.
  • الشعور بالعار والخزي، وفقدان الأمل والعزلة.
  • قلة تفهم العائلة، والأصدقاء، أو غيرهم من الناس.
  • التعرض للتنمر، والمضايقات وحتى العنف الجسدي.
  • عدم الثقة بالنفس، الاعتقاد بالعجز عن التغلب على المرض، أو تحقيق أي انجاز مرغوب في الحياة.

اقرأ أيضًا: الامراض النفسية عند الاطفال


الوصمة والتمييز: أنواع الوصمة

يواجه المريض أكثر من نوع للوصمة، ما يجعل حياته أقسى. قد يوصم بالعار بسبب:

  • العرق.
  • الجنس.
  • النشاط الجنسي.
  • العجز أو الإعاقة.

الوصمة والتمييز: طرق التعامل مع الوصمة

بعد التعرف على أسباب الوصمة، فيما يلي عدد من طرق التصدي للوصمة والتعامل معها:

  1. حصول المريض على العلاج النفسي الذي يحتاجه، وألا يدع الخوف من وصفه بمرض نفسي يمنعه من الحصول على المساعدة.
  2. عدم الإيمان بالوصمة: أحيانًا قد يؤمن الشخص بالوصمة داخليًا عندما يسمع شيئًا أو يختبره. يجب أن يحاول منع جهل الآخرين من التأثير على طريقة شعوره حول نفسه، ذلك أن المرض النفسي ليس علامة ضعف. ينصح المريض بالتحدث مع اختصاصيين بالرعاية الصحية عن مرضه لمساعدته في طريقه للعلاج.
  3. لا للاختباء: يميل معظم المرضى النفسيون إلى الانعزال عن العالم. لكن الوصول إلى أشخاص محل ثقة، كالأهل أو الأصدقاء أو المدربين أو رجال الدين، يفيد في تلقي الدعم عند الحاجة.
  4. التواصل مع الآخرين: الانضمام إلى مجموعة دعم، إن كان شخصيًا أو عبر الانترنت، يمكن أن يساعد في التعامل مع مشاعر العزلة، وإدراك المريض أنه ليس وحيدًا فيما يشعره أو يمر به.
  5. أنت لست مرضك: لا يجب على المريض أن يعرّف نفسه بمرضه كما يفعل الآخرون. فلا ينبغي أن يقول: “أنا فصامي” بل: “أنا مصاب بانفصام الشخصية”.
  6. الأمر ليس شخصيًا: على المريض أن يتذكر أن أحكام الآخرين غالبًا ما تنبع من جهلهم وقلة معرفتهم، ليس إلا. وهذه الأحكام متشكلة لديهم قبل أن يعرفوه حتى، لذلك؛ لا ينبغي أن يعتقد أن آرائهم تتعلق به شخصيًا.

اقرأ أيضًا: النظام الغذائي لمرضى الفصام


أسباب تعرض المرضى النفسيين للتمييز

وصمة العار والتمييز
الأسباب وراء تعرض المرضى النفسيين للتمييز

هناك عدة أسباب لهذا التمييز، منها:

الصور أو الأفكار النمطية

قد يملك المجتمع صور نمطية (stereotypes) عن المرض النفسي. يعتقد البعض أن المرضى النفسيون خطيرون ومؤذون، بينما في الحقيقة هم الأكثر عرضة للتهجم أو الأذى.

وسائل الإعلام

غالبًا ما ترتبط تقارير الوسائل الإعلامية حول المرض النفسي بالعنف، أو تصور الأشخاص الذين يعانون مشكلات نفسية على أنهم خطيرون، ومجرمون، وأشرار، أو عاجزون وغير قادرين على العيش بطريقة طبيعية.

اقرأ أيضًا: الاحتراق النفسي


الوصمة والتمييز: أنواع التمييز

  • التمييز المباشر: إذا كنت تتلقى معاملة أسوأ من الآخرين لكونك تعاني من مشكلة نفسية.
  • غير المباشر: عندما يقوم شخص أو مؤسسة بترتيبات معينة تضع المصاب في مكان غير عادل أو تعرضه لخسارة أو أذى.
  • التمييز بسبب الإعاقة: عندما تتلقى معاملة سيئة بسبب إصابتك أو معاناتك من مشكلة نفسية، مثال: إذا وجه إليك تحذير في العمل لأخذ إجازة من أجل المواعيد الطبية.
  • المضايقات والتحرش: إذا تعرضت للترهيب والتخويف، أو الإساءة أو الإذلال.
  • الإيذاء: عندما تعامل بشكل سيء بسبب تقدمك بشكوى.

اقرأ أيضًا: اضطراب قلق المرض


الوصمة والتمييز: طرق التصدي للتمييز

هناك عدد من الأمور المختلفة التي يمكن القيام بها عند التعرض للتمييز. عمومًا، من الأفضل اتباع الخطوات التالية للتصدي للوصمة والتمييز:

  • مخاطبة الشخص بشكل غير رسمي: التحدث إلى الشخص أو المنظمة الذي يمارس التمييز ضدك. هذا من شأنه أن يكون طريقة سريعة وسهلة لحل المشكلة.
  • التقدم بشكوى رسمية: إذا لم يؤت التحدث بشكل غير رسمي ثماره، يمكن التقدم بشكوى رسمية. جرب أن تقدمها بشكل مكتوب إن أمكن. قدم وصفًا واضحًا للخطأ الواقع، وما الذي تريده أن يحدث: هل تريد اعتذارًا، أو تفسيرًا، أو خدمة أفضل مستقبلًا. ينبغي أن يتم التحقيق في شكواك بشكل مناسب، وإبلاغك بالنتيجة.
  • تقديم شكوى إلى الجهات المختصة بالشكاوي: إذا لم تتحسن الأمور بعد التقدم بشكوى رسمية، يمكنك تقديم شكوى إلى جهة مختصة بتابعة الشكاوي. اذكر فيها معلومات أكثر.
  • التحرك قانونيًا: إذا لم تقدر على حل المشكلة من خلال الجهة المختصة بالشكاوي، عليك بالتوجه إلى القضاء وتقديم طعن قانوني.

ختامًا، يتعرض الكثيرون لأنواع الوصمة والتمييز المختلفة، في كل يوم، ودون أدنى ذنب، سوى أنهم يعانون ضعفًا أو مرضًا نفسيًا، أو ينحدرون من خلفية ما، أو بسبب لون بشرتهم أو عرقهم، ما يمنعهم من عيش حياة طبيعية كغيرهم من الناس، بين عائلتهم ومن يحبون، لذلك لا بد من التعرف على أسباب وصمة المرض النفسي وأسبابها، واتباع طرق التصدي للوصمة والتمييز بمختلف الأشكال، بما فيها الوصمة الداخلية لأنها الأخطر، والأهم من ذلك كله، الثقة بالنفس وتقدير ذاتنا حتى نتغلب على كل العوائق النفسية والاجتماعية.

فهرس على قوقل نيوز

تابعنا الأن

مقالات هامة
تعليقات (22)

إغلاق