روبرت كوخ (1843–1910)

Robert Koch (1843–1910)

في هذا المقال نتحدث عن العالم روبرت كوخ الذي وضع حداً للكثير من الأوبئة التي أصابت البشرية. نستعرض حياته، وإسهاماته العلمية، وكيف ساهم في تغيير شكل علم الأحياء الدقيقة بشكل خاص والطب بشكل عام.

كتابة: محمد عصام | آخر تحديث: 24 أبريل 2020 | تدقيق: غادة أحمد
روبرت كوخ (1843–1910)

روبرت كوخ أحد مؤسسي علم الأحياء الدقيقة، والذي ساهم في الدخول إلى العصر الذهبي للاكتشافات العلمية، والتي كشفت عن  الكثير من المسببات الرئيسية للأمراض البكتيرية، التي كانت وراء العديد من الأمراض الفتاكة المعروفة للبشرية.

من هو روبرت كوخ ؟

الطبيب روبرت كوخ المعروف في الأوساط العلمية وغير العلمية بعزل البكتيريا المسببة لمرض السل، والذي عانى منه الكثيرين في منتصف القرن التاسع عشر. فاز روبرت كوخ بجائزة نوبل عام 1905 عن عمله هذا. ويعد أحد مؤسسي علم الأحياء الدقيقة -الميكروبيولوجي- وأحد واضعي المعايير المطورة، المسماة مسلمات كوخ، التي تهدف إلى المساعدة في إقامة علاقة سببية بين الميكروب والمرض.


الاكتشافات البكتيرية

ترجع شهرة روبرت كوخ لأبحاثة المتعددة في أسباب الكثيرة من الأمراض البارزة، وتقديمة حلولاً كثيرة لحماية الصحة العامة فقد  أظهر كيف يمكن زراعة البكتيريا وعزلها وفحصها في المختبر. اشتهر الطبيب روبرت كوخ بعزل البكتيريا المسببة لمرض السل، والذي كان يعد أحد أهم الأسباب للعديد من الوفيات في منتصف القرن التاسع عشر.

الجمرة الخبيثة

كانت الجمرة الخبيثة في ذلك الوقت، سائدة بين حيوانات المزرعة في منطقة ولستين، وعلى الرغم من أنه لم يكن لديه معدات علمية كافية، ولم يستطع الوصول تمامًا إلى المكتبات والتواصل مع زملائة العلميين الآخرين. وأيضاً على الرغم من انشغاله، لكن كانت هناك مطالب فرضت عليه لدراسة هذا المرض. كما كان معمله عبارة عن شقة مكونة من 4 غرف نوم والتي كانت تعتبر منزله، وأدوات البحث التي جلبها خصيصاُ من نفسه، باستثناء الميكروسكوب الذي أعطته له زوجته.

في وقت سابق تم اكتشاف بكتيريا الجمرة الخبيثة من قبل العلماء: بولندر، راير، ودافين. وفي أثناء العمل في الممارسة الخاصة كطبيب في ولستين، بدأ روبرت كوخ في العمل على تحديد السبب الجذري  لمرض الجمرة الخبيثة التي تفشت في الماشية في هذه المنطقة.

ليثبت علميا أن هذه البكتيريا هي في الواقع سبب المرض. حيث قام بتلقيح الفئران، عن طريق شظايا من الخشب مجهزة في المنزل، مع بكتيريا الجمرة الخبيثة المأخوذة من طحال حيوانات المزرعة التي ماتت بسبب الجمرة الخبيثة، ووجد أن جميع الفئران قتلت من قبل هذه البكتيريا.

في حين أنه عندما قام كوخ بحقن الفئران في نفس الوقت مع الدم من طحال الحيوانات السليمة بالمرض لم تصاب هذه الفئران. لذا ساعدت أبحاث كوخ في تأكيد الافتراض العلمي للآخرين الذين أظهروا أن المرض يمكن أن ينتقل عن طريق دم الحيوانات التي تعاني من الجمرة الخبيثة.

وقد حدد كوخ البيئة المثالية لانتشار حويصلة الجمرة الخبيثة، بما في ذلك انتقالها عبر التربة بواسطة هذه الحويصلات. ونتيجة لذلك، أصبح كوخ أول من ربط بكتيريا معينة بمرض معين، مما جلب له الشهرة عندما نشر نتائجه في عام 1876.

مرض السل

بعد الانتقال إلى مكتب الصحة في برلي، بدأ كوخ عمله على اكتشاف عصية أو بكتيريا مرض السل. فقد أجرى الكثير من المحاولات المختلفة لمعرفة الصبغة اللازمة للكشف عن طبيعة البكتيريا، بالإضافة إلى الوسط المثالي لزراعة المستعمرات البكتيرية لدراستها. حيث قام كوخ بحقن أكثر من 200 حيوان بالبكتيريا من المزرعة البكتيرية النقية، حيث توصل إلى أن المخاط هو المصدر الرئيسي لانتقال مرض السل، مما تطلب تعقيم الملابس والشراشف من المرضى المصابين.

يعتبر عرض كوخ للنتائج التي توصل إليها، في اجتماع لجمعية برلين الفسيولوجية عام 1882، لحظة فاصلة في التاريخ الطبي. ففي عام 1905، حصل كوخ على جائزة نوبل في الطب لعمله البحثي في المساعدة على كبح انتشار هذا المرض المميت.

الكوليرا

بعد نجاحه الباهر في التعامل مع مرض السل، تم إرسال كوخ إلى مصر وكالكوتا بالهند للتحقيق في تفشي وباء الكوليرا في تلك المناطق.

والكوليرا هي عدوى تصيب الأمعاء الدقيقة تسببها سلالات بكتيرية تسمى  Vibrio cholerae. قد تتراوح الأعراض من عدم وجود اعراض إلى بسيطة إلى حالة حرجة قد تؤدي إلى الوفاة في النهاية. وتشمل الأعراض المعتادة، كميات كبيرة من الإسهال المائي الذي يستمر بضعة أيام. وقد يحدث قئ وتشنجات في العضلات أيضًا كأحد الأعراض.

حدد كوخ البكتيريا المسؤولة عن هذا المرض وخصائصها، وعلى الرغم من أن طبيعتها كمرض ينقل عن طريق الإنسان جعلت من الصعب اختبار بحثه على الحيوانات.

ومع ذلك، توصل روبرت كوخ  إلى أن مياه الشرب الملوثة هي الجاني الأساسي وراء انتشار هذا المرض. حدد كوخ  مرة أخرى مياه الشرب كمصدر رئيسي لتفشي المرض عام 1892 في ألمانيا، مما أدى إلى تجديد التركيز على هذا المجال من قبل سلطات الصحة العامة في ألمانيا في هذا الوقت.


منهجية رائدة

إلى جانب اكتشافه لبعض البكتيريا، ابتكر روبرت كوخ تقنيات جديدة لإجراء البحوث المختبرية. حيث أجرى صبغات مختلفة لدراسة البكتيريا وتعاون مع مطوري الميكروسكوبات لتعزيز الدقة المحسنة، ليصبح كوخ أول طبيب يستخدم العدسات المغورة بالزيت والمكثفات في الميكروسكوبات.

إدراكًا بأن الوسط الصلب لزراعة البكتيريا كان أفضل من الوسط السائل لتنمية مستعمرات بكتيرية نقية، أجرى روبرت كوخ بحثه الرائد عن مرض السل عن طريق زراعة مستعمرات بكتيرية على شرائح من البطاطس.

وجد لاحقًا وسائط محسنة لتجاربه، مع مساعد واحد يدعى فالتر هيس، الذي اكتشف الخصائص المفضلة لعمل الوسط البكتيري، وعالم أخر يسمى يوليوس بيتري، مقدماً له طبق معملي لزراعة البكتيريا يسهل استخدامه

 

مسلمات كوخ

بحلول الثمانينيات من القرن التاسع عشر، شكل روبرت كوخ قائمة مرجعية بالظروف التي يجب توفيرها للإعتراف ببكتيريا معينة كسبب محدد لأمراض معينة وهي كالأتي:

1. يجب أن تكون الكائنات الحية الدقيقة أو مسببات الأمراض الأخرى موجودة في جميع حالات المرض، وليس في الحيوانات السليمة.

2. يجب عزل العامل الممرض أو الميكروب العائل أو المضيف المريض وزراعة الميكروب في وسط نقي.

3. يجب أن يسبب العامل الممرض أو الميكروب من الوسط النقي المرض عندما يتم حقنه إلى حيوان سليم.

4. يجب عزل العامل المُمْرِض من العائل المحقون الجديد وإظهار أنه نفس العامل الممرض الأصلي.

تمت الموافقة على هذه الإفتراضات للمنهجية البحثية رسميًا من قبل القوى العظمى في دريسدن في عام 1893.


الحياة المبكرة والوظيفة

ولد روبرت هاينريش هيرمان كوخ في 11 ديسمبر 1843 في كلاوستال بألمانيا. وكان أبوه يعمل مهندس تعدين، وقد أظهر روبرت كوخ عقلية فريدة في سن مبكرة، وورد عنه أنه في أحد المرات أعلن لوالديه في سن الخامسة أنه علم نفسه القراءة باستخدام الصحف.

في عام 1862، التحق كوخ بجامعة جوتنجن لدراسة الطب. من بين أساتذته المؤثرين كان يعقوب هنلي، وهو عالم تشريح رائد ومؤيد لنظرية الجراثيم لتفسير الأمراض. وقد طلب من كوخ مشاركته في مشروعه البحثي حول بنية عصب الرحم.

بدأ كوخ في عمله البحثي في معهد الفسيولوجي، حيث درس إفراز حمض السكسينيك، وهو جزيء يشارك أيضًا في عمليات الأيض التي تحدث في الميتوكوندريا داخل الخلايا.

بعد حصوله على شهادة الطب عام 1866، عمل كوخ كمساعد في المستشفى. حيث اجتاز فحص المسؤولين الطبي لكي يأخذ الرخصة الطبية، وبحلول عام 1870 بدأ التطوع للخدمة الطبية في الحرب الفرنسية البروسية. وفي عام 1872، أصبح مسؤولًا طبيًا محليًا في ولستين، حيث بدأ فيه في البحث عن البكتيريا التي ستجعله مشهورًا.

اقرأ أيضاً:”لويس باستور (1822 – 1895)


الخطوات الخاطئة

في عام 1890، أعلن روبرت كوخ أنه طور علاجًا للسل، يدعى التوبركولين وقد دفع هذا الكثير المرضى والأطباء على حد سواء إلى السفر إلى برلين له، وجعل ذلك كوخ يقوم بدور جديد كمدير للمعهد الجديد للأمراض المعدية. ومع ذلك، سرعان ما تم الكشف أن العلاج الذي قدمه كوخ ليس له قيمة علاجية تذكر، مما هز سمعة كوخ في المجتمع الطبي.

في عام 1901، حضر روبرت كوخ المؤتمر الدولي لمكافحة السل في واشنطن العاصمة، حيث جادل المجتمع العلمي بافتراض أن البكتيريا المسببة للسل البقري، كانت ذا طبيعة منفصلة عن نوع البكتيريا الذي أصاب البشر، وبالتالي فهي غير ضارة نسبيًا للبشر.

في حين أنه من الصحيح أن البكتيريا المسببة للسل البقري كانت مختلفة، فقد ثبت خطئ روبرت كوخ في نهاية المطاف، في الاعتقاد أنه بكتيريا السل البقرية ليست لها تأثير كبير على البشر وأنه لا توجد حاجة إلى اتخاذ تدابير عامة لتطهير الماشية المصابة.

اقرأ أيضاً:”فيكتور فرانكل (1905 – 1997)


السفريات اللاحقة والموت

لطالما كان روبرت كوخ يحب السفر، حيث أمضى كوخ الكثير من السنوات الـ 15 المتبقية من حياته في زيارة العديد من البلدان الأجنبية للشروع في أبحاث جديدة. في أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر، سافر إلى روديسيا الواقعة في جنوب إفريقيا، للمساعدة في القضاء على تفشي مرض الطاعون البقري، وتبعه التوقف في أجزاء أخرى من أفريقيا والهند لدراسة أمراض مثل الملاريا والسرة والكثير من الأمراض الأخرى.

بعد تنحيه عن منصب مدير معهد الأمراض المعدية والذي أعيد تسميته لاحقًا باسم معهد روبرت كوخ، عاد كوخ إلى أفريقيا في عام 1904 لدراسة داء المثقبيات (مرض النوم).


وفاة روبرت كوخ

في 9 أبريل 1910، عانى كوخ من نوبة قلبية ولم يتعافى تمامًا. وفي 27 مايو، بعد ثلاثة أيام من إلقاء محاضرة حول أبحاث السل التي أجراها في الأكاديمية البروسية للعلوم. توفي كوخ في بادن في ألمانيا عن عمر يناهز 66 عامًا.


تكريم روبرت كوخ

حصل روبرت كوخ robert-koch على العديد من الجوائز والميداليات، فقد حصل على الدكتوراة الفخرية من جامعتي هايدلبرغ وبولونيا، ونال المواطنة الفخرية لبرلين، ولستين، وموطنه كلاوستال، والعضويات الفخرية في المجتمعات الأكاديمية والأكاديميات في برلين وفيينا وبوسن وبيروجيا ونابولي و نيويورك.

كما حصل على وسام التاج الألماني، والصليب الكبير من وسام النسر الأحمر الألماني (وهي المرة الأولى التي يحصل فيها رجل طبي على هذا الامتياز الرفيع)، كما كرم من روسيا وتركيا. وبعد وفاته بفترة طويلة، تم تكريمه من خلال إقامة العديد من  النصب التذكارية وبطرق أخرى في الكثير من البلدان.


مهما تقدم بنا الزمن تبقى بصمات العلماء الأوائل الذين وضعوا أسس العلم، وهكذا هو روبرت كوخ الذي قدم لنا الكثير حول البكتيريا المسببة لمرض السل، وغيرها من الأمراض البكتيرية.

497 مشاهدة

ساهم باثراء المحتوى من خلال اضافة تعليق