جوناس سالك (1914-1955)

Jonas Salk (1914–1995): End of polio

في سن الأربعين، أصبح جوناس سالك أكثر العلماء المحبوبين في العالم. في مثل هذه الأيام توصل هذا العالم إلى لقاح لفيروس شلل الأطفال المرض الذي دمَّر حياة الكثيرين.

كتابة: محمد عصام | آخر تحديث: 17 أبريل 2020 | تدقيق: غادة أحمد
جوناس سالك (1914-1955)

ومع ذلك، فإن فيروس شلل الأطفال على وشك أن يتم استئصالة نهائياً.  وهو إنجاز مذهل للطب الحديث. لعب جوناس سالك دورًا محوريًا في تحقيق هذا النجاح من خلال كونه أول من ابتكر لقاحاُ آمناً وفعالاً ضد فيروس شلل الأطفال.


الخوف العام من المرض

في الولايات المتحدة خلال أوائل خمسينيات القران الماضي، وفقًا لكتاب بول أوفيت-The Cutter Incident-، أظهر استطلاع للرأي العام، أن الخوف من شلل الأطفال كان في المرتبة الثانية بعد الخوف من الضخامة النووية. في عام 1952، عام وباء شلل الأطفال الكبير الذي أودى بحياة أكثر من ثلاثة آلاف شخص، مات عشرة أضعاف من الالتهاب الرئوي وسبعين ضعف من السرطان. ومع ذلك، كان هناك سبب كاف للخوف واسع النطاق من شلل الأطفال.

في الوقت الذي تم فيه تقليل المخاطر التي تشكلها العديد من الأمراض المعدية الأكثر فتكًا، مثل الزهري والسل والالتهاب الرئوي البكتيري في الآونة الأخيرة بشكل كبير من المضادات الحيوية، ظلت معظم العدوى الفيروسية، مثل شلل الأطفال، لا يمكن وقفها.

كان معدل الإصابة بشلل الأطفال في اتجاه تصاعدي خلال أربعينيات القرن الماضي؛ جلب كل صيف جديد وباء، وكان معظم الضحايا من الأطفال والمراهقين.


حياة جوناس سالك المبكرة

ولد جوناس سالك في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، لعائلة مهاجرة بولندية يهودية وأرثوذكسية في 28 أكتوبر 1914. كان والديه ينقصهم منافع فرصة التعليم الرسمية، لذلك شجعوا جوناس سالك وأشقائه بنشاط على التركيز في دراساتهم.

بعد الانتهاء من المدرسة الثانوية، التحق جوناس بكلية مدينة نيويورك، وأصبح أول فرد من الأسرة يتحصل على تعليم جامعي. ومع ذلك، كانت دراسة القانون، وليس العلم، هو الذي أثار اهتمامه الأكاديمي في البداية.

أثناء نشأته، أظهر سالك القليل من الميل للجوانب التربوية للعلوم الطبيعية، لكن كلماته كانت تتضمن داخلها احترامًا عميقًا لبيولوجيا الإنسان. فقد كتب: “كطفل، لم أكن يوماً مهتمًا بتشريح جسم الإنسان. لقد كنت مهتمًا فقط بالأشياء البشرية، الجانب الإنساني للطبيعة، إذا أردت، وما زلت مهتمًا بذلك. وهذا ما يحفزني. وبطريقة ما، فإن البعد الإنساني هو ما أثار اهتمامي “.

تم منع سالك من العمل في القانون عندما أصرت والدته على أنه لا يمكن أن ينجح أبدًا في قاعة المحكمة إذا لم يتمكن حتى من الفوز في جدال بسيط معها. ووجد نفسه في وقت لاحق معجبا بمزيج من العلم والعلوم الإنسانية (الإنسانيات)، وحول تركيزه الأكاديمي من تمهيدي القانون إلى تمهيدي لدراسة الطب في كلية الطب بجامعة نيويورك.

أثناء وجوده كطالب في كلية الطب، انشغل جوناس سالك ببحث عن فيروس الإنفلونزا . بعد التخرج، حصل سالك على زمالة بحثية مرموقة في جامعة ميشيغان، تحت إشراف الدكتور توماس فرانسيس. فعمل كلاهما من أجل تطوير وتنفيذ لقاح فعال ضد فيروس الإنفلونزا للجيش الأمريكي، والذي كان مشاركاُ في ذلك الوقت في الحرب العالمية الثانية. بعد الانتهاء من الزمالة، حول سالك انتباهه إلى فيروس شلل الأطفال في بحث مماثل عن لقاح فعال وآمن. بدأ عمله في جامعة بيتسبرغ، في ولاية بنسلفانيا، وهناك مهد الطريق لواحدة من أكثر المعجزات الطبية المبجلة في تاريخ الطب.


منهج بحثي مختلف

في عام 1947، تم تعيين جوناس سالك مديرًا لمختبر أبحاث الفيروسات في كلية الطب بجامعة بيتسبرغ. في ذلك الوقت، كان النموذج الراسخ لتطوير اللقاح هو أولاً عزل فيروس حي ولكنه ضعيف. ثم يتم إعطاء هذا الفيروس أو البكتيريا المستضعفة للمرضى من أجل خلق عدوى منخفضة الحدة وغير ضارة من شأنها أن تمنح المستقبل مناعة طويلة الأمد.

ومع ذلك، استخدم سالك نهجًا بديلاً في عمله السابق على لقاح الإنفلونزا. فقد استخدم فيروسات ميتة غير معدية للحث على مناعة وقائية. على الرغم من عدم تشجيع أقرانه في البحث ومنتقديه، قرر اتخاذ نفس النهج في بحثه عن شلل الأطفال.

كتب جوناس سالك عددًا من المقالات العلمية والنظرية المتعلقة بشلل الأطفال ومزايا لقاح الفيروس المقتول. جذبت منشوراته في نهاية المطاف انتباه المؤسسة الوطنية لشلل الأطفال، وهي منظمة خيرية أنشأها الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين دي روزفلت. وقد أنشأت هذه المؤسسة لأول مرة بهدف جمع الأموال لتمويل الأبحاث المتعلقة بشلل الأطفال. قدمت هذه المؤسسة دعمًا ماليًا كبيرًا لأبحاث جوناس سالك وساعدت في إطلاق جهوده نحو عمل اللقاح.


لقاح شلل الأطفال

استخدم جوناس سالك وفريقه البحثي مادة الفورمالين-الفورمالديهايد- لقتل فيروس شلل الأطفال دون تدمير خصائصه الموجودة على السطح الخارجي والتي لها الدور المناعي المباشر لإستحداث الجهاز المناعي على خلق أجسام مضادة لهذا الفيروس فقط دون غيره. بعد إثبات السلامة والفعالية المبدئية، قاموا ببدء التجارب السريرية بادئين بإعطاء اللقاح لعشرات المتطوعين، بما فيهم هو وزوجته وأطفاله.

في عام 1954، أجرى سالك دراسة وطنية واسعة النطاق، حيث قام بتسجيل أكثر من مليون حالة متعلقة بطب الأطفال.

في العام التالي، في 12 أبريل 1955، أعلن عن النتائج كالآتي:

كان اللقاح آمنًا وفعالًا. فقد أظهرت البيانات اللاحقة أنه في عام 1955، كان هناك ما يقرب من 29,000 حالة من حالات شلل الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية. بعد عامين فقط من الإنتاج الضخم للقاح وإنتشاره اللقاح المطور حديثًا على أرض الواقع، انخفضت معدلات الإصابة إلى أقل من 6000 حالة بشلل الأطفال. ونتيجة لذلك، تم اعتماد لقاح شلل الأطفال بسرعة هائلة على الصعيد الوطني، ثم وبحلول عام 1959، وصل اللقاح إلى حوالي 90 دولة حول العالم.

تجاهل سالك والأبحاث التي مهدت للقاح

على الرغم من عمله الهام، تم تجاهل سالك بشكل واضح لمنحه العضوية في الأكاديمية الأمريكية للعلوم، ولم يحصل على جائزة نوبل. ويقال إنه تفه وقلل من مساهمات العلماء الآخرين التي سبقته بل أنه قلل من شأن جهود فريقه البحثي.

على سبيل المثال، في عام 1948، نجح الدكتور جون إندرز وزملاؤه الدكتور توماس ويلر والدكتور فريدريك روبينز من زراعة فيروس شلل الأطفال في الأنسجة البشرية في المختبر ( يتم تمرير-يجعله يصيب- الفيروس في طبق معملي عليه نسيج بشري)، حيث فازوا في نوبل في عام 1954.

وقد سهل هذا التطور بشكل كبير في أبحاث اللقاحات وسمح لجوناس سالك في نهاية المطاف من تطوير لقاحه ضد شلل الأطفال. وكان التقدم المهم الآخر الذي مكنه من تطوير لقاح شلل الأطفال هو تحديد ثلاثة أنواع مختلفة لفيروس شلل الأطفال.

“اقرأ أيضاً”فيكتور فرانكل (1905 – 1997)


حادثة الشلل

بعد وقت قصير من بدء التطعيم الشامل لشلل الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية، أصيب بعض الأشخاص بالشلل في الطرف الذي تم إعطاء اللقاح فيه. تم توريط الاستعدادات من مختبرات كتر، وبدرجة أقل، مختبرات وايث وتم استدعاء اللقاح بعد حدوث 250 حالة شلل مرضية.

كانت هناك أيضا تقارير عن الشلل والوفاة في العديد من الأطفال. أظهرت التحقيقات أن اللقاح كان غير معد بشكل صحيح أطلق فيروسات حية (من المفترض أن تكون ميتة) في أكثر من 100,000 جرعة من اللقاح.


لقاح سابين

في هذا الوقت تقريبًا، كان الدكتور ألبرت سابين والدكتورة هيلاري كوبروفسكي يعملون على لقاح فيروس شلل الأطفال الحي والمستضعف. في عام 1955، قدموا عملهم التمهيدي في اجتماع في ستوكهولم في السويد، وأجروا تجارب خارج الولايات المتحدة، وأيضاَ كذلك في المكسيك والاتحاد السوفيتي، لأن الولايات المتحدة قد ركزت على لقاح جوناس سالك.

لكن في عام 1957، طور الدكتور سابين لقاحًا ثلاثيًا عن طريق الفم يتكون من سلالات موهنة من الأنواع الثلاثة لفيروس شلل الأطفال، والذي تم إعطاؤه بعد ذلك لعشرة ملايين طفل في الاتحاد السوفيتي أنذاك.

لهذا العمل، حصل الدكتور سابين، الذي كان في الأصل من روسيا البولندية، على أعلى تكريم مدني للسوفييت، ووسام الصداقة بين الشعوب، على الرغم من أنه قد أصبح مواطنًا أمريكيًا خلال ذروة الحرب الباردة بين أمريكا والإتحاد السوفيتي.

دخل لقاح سابين الذي يؤخذ عن طريق الفم إلى الاستخدام التجاري في عام 1961 واستبدل بسرعة بلقاح سالك الذي يتم حقنه، والذي عانى من فقدان ثقة الجمهور نتيجة لكارثة مختبرات كاتر-وايث.


حياته الشخصية وتراثه الشخصي

أثناء وجوده في الكلية في نيويورك، التقى جوناس سالك بزوجته الأولى دونا ليندسي، التي تزوجها عام 1939. وأصبح لديهما ثلاثة أطفال، هما بيتر وداريل وجوناثان، الذين تابعوا في نهاية المطاف وظائف طبية وبحثية. في عام 1965، انتقل جوناس سالك إلى لا جولا، الواقعة في ولاية كاليفورنيا، ليؤسس معهد سالك للدراسات البيولوجية، الذي لا يزال أحد أكثر إرثه الباقي.

تم إنشاء المعهد لتوفير بيئة من الإبداع حيث يمكن للباحثين “العمل معًا لاستكشاف الأكبر لاكتشافاتهم على مستقبل البشرية”. انجذب العديد من العلماء الموهوبين إلى لا جولا، حيث كانت أول هيئة تدريس بالمعهد تتكون من أمثال الدكتور فرانسيس كريك، الذي اكتشف مع جيمس واطسون بنية الحلزون المزدوج للحمض النووي.

معهد جوناس سالك للدراسات البيولوجية.

في عام 1968، انتهى زواج سالك الأول بالطلاق. بعد ذلك بوقت قصير، التقى بالفنانة الفرنسية فرانسواز جيلوت، العشيقة السابقة للفنان الإسباني بابلو بيكاسو، وتزوجا في عام 1970. لكن سالك وجد مزيجًا نادرًا من جمال الفن و الرزانة الفكرية والرفقة الحسنة مع جيلوت، وبقي في لا جولا مع زوجته الجديدة ما تبقى من حياته المهنية حتى وفاته من مرض قصور القلب في عام 1995.

سأله أحد المحاورين ذات مرة عن ملكيتة براءة اختراع لقاح شلل الأطفال، والتي أجاب سالك عنها بشكل مشهور، “حسنًا، الناس، أود أن أقول. لا يوجد براءة اختراع. هل يمكنك اختراع الشمس؟ ” كانت هذه الروح الإنسانية إلى جانب إنجازاته المذهلة في علم الفيروسات وتطوير اللقاحات هي التي حفرت سالك بشكل دائم في سجلات التاريخ الطبي.


نهاية الفيروس، والعودة مجدداً

تم القضاء على شلل الأطفال من أمريكا الشمالية بحلول عام 1994 وفي معظم البلدان في جميع أنحاء العالم بعد ذلك بوقت قصير. ومع ذلك، على عكس الجدري، لم يتم القضاء على شلل الأطفال بالكامل.

في عام 2013، شهدت سوريا تفشي المرض، وانتشر المرض الآن إلى حوالي عشر دول في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. أدى عدم الثقة العميق والناشئ عن الأصول الدينية المتعصبة والعرقية إلى مقاومة برامج التطعيم وحتى أدى ذلك إلى هجمات عنيفة على العاملين في مجال الرعاية الصحية.


في عام 2011، نظمت وكالة المخابرات المركزية برنامج تطعيم مزيف من أجل البحث عن أسامة بن لادن. ساعدت هذه الطريقة العسكرية كفخ، في تغذية الاعتقاد الخاطئ بأن القوات كانت تستخدم اللقاح لكي تتسبب في العقم لدى الأطفال الذكور، مما دفع للأسف بعض الآباء إلى التخلي عن تطعيم أطفالهم.

527 مشاهدة

ساهم باثراء المحتوى من خلال اضافة تعليق