مئذنة جام؛ ثاني أعلى مبنى أثري في وسط آسيا والعالم

كريم عصامتعديل Heba Mahmoud29 أبريل 2024آخر تحديث :
مئذنة جام؛ ثاني أعلى مبنى أثري في وسط آسيا والعالم

مئذنة جام (Jam minaret)؛ تعد تلك المئذنة الواقعة غرب أفغانستان من أعلى الأبنية الأثرية في العالم، والتي تعتبر شهادة استثنائية على روعة وإتقان الهندسة القديمة في آسيا. سنتحدث عن تلك المئذنة التاريخية في السطور التالية بالتفصيل، كاشفين عن تاريخها، أسباب بناءها، وموقعها بالتحديد.

نبذة عن منارة جام

في غرب أفغانستان، بالتحديد في ولاية غور، يقع بناء مرتفع ومنفرد في وادٍ وعر، وسط الجبال الشامخة، ألا وهو مئذنة جام القديمة. حيث قد تساءل الكثير عن سبب وجود مئذنة في ذلك الموقع المعزول بالتحديد. بعد الاستكشافات الحديثة، تم تحديد عمر المئذنة، حيث يرجع تاريخها إلى القرن الثاني عشر الميلادي، في فترة حكم الغوريين للبلاد، حيث يُعتقد أنهم هم بُناة المئذنة.

بالرغم من قِدم المئذنة، إلا أنها تعتبر من المعالم الأثرية القليلة حول العالم المحفوظة بشكل جيد، لكنها تعرضت ولا زالت تتعرض للكثير من التهديدات، حيث وضعتها منظمة اليونسكو في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر. تعتبر منارة جام حالياً ثاني أعلى مبنى أثري في وسط آسيا والعالم، وكذلك أجمل مبنى أثري غرب أفغانستان لما تتمتع به المئذنة من زخارف جميلة، وهندسة معمارية غايةً في الإتقان.

إلا أن عيب المئذنة الوحيد هو موقعها النائي، والذي ليس من السهل الوصول إليه. بالرغم من ذلك، فالمئذنة تستحق مغامرة الوصول إليها، حيث كانت مقصداً طوال العقود السابقة لكثير من محبي مشاهدة الآثار التاريخية، كما وقد حصلت المئذنة على تقييم عام 4,5 من قِبل الزوار.

اسم البناءمئذنة جام
نوع البناءمبنى أثري قديم
الدولةأفغانستان
الموقع9GW8+H96، دازام
التقييم4,5
سنة البناء1190 ميلادية
أرقام التواصل989036822392+

سبب بناء مئذنة جام

تعتبر مئذنة جام واحدة من أصل حوالي 60 مئذنة تم بناؤها ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، تتوزع في آسيا الوسطى، إيران، وأفغانستان. حيث كان يتم تشييد تلك المآذن احتفالاً بالانتصارات الإسلامية في ذلك الوقت. لذا يتم الاعتقاد حالياً أن منارة جام بُنيت احتفالاً بانتصار السلطان الغوري “غياث الدين” على الغزنويين في “لاهور” سنة 1186 ميلادية. بينما يعتقد عالم الآثار “بيندر ويلسون”، أن سبب بناء المئذنة هو الاحتفال بانتشار الإسلام شمال الهند، وكان ذلك بسبب انتصار السلطان “معز الدين” شقيق السلطان “غياث الدين” على الملك الهندي “بريثفيراج شوهان”.

لكن الأمر الأكيد أن الغوريون هم من بنى تلك المئذنة، وتم بناؤها على الأرجح على يد السلطان “غياث الدين”، حيث تأكد النقوش الموجودة عليها ذلك.

تاريخ مئذنة جام

كشفت الدراسات الحديثة للمنطقة أن المئذنة تم بناؤها سنة 1190 ميلادية بأمر من السلطان “غياث الدين الغوري”. في واقع الأمر، المئذنة لم تكن دائماً البناء الوحيد في تلك المنطقة، حيث تم اكتشاف أيضاً 8 مجموعات من الأنقاض حول المنارة، والتي كانت عبارة عن قصر تاريخي، مبانٍ وقلاع عسكرية وتحصينية، جرار فخارية، أبراج ومستوطنات على ضفاف الأنهار، وبعض المقابر اليهودية.

كما وتم الكشف أيضاً أنه كان هناك مسجداً في المنطقة، لكن تم تدميره بواسطة فيضان قديم. بالتالي فذلك المكان كان مدينة متكاملة تعود إلى الغوريين، ويتم الاعتقاد أنها مدينة “فيروزكوه” المفقودة، والتي تمثل عاصمة الإمبراطورية الغورية. بواسطة الأقمار الصناعية وخرائط جوجل، تم تقدير مساحة تلك المدينة، والتي كانت 19,5 هكتار تقريباً.

تدمير المدينة وصمود المئذنة

توفي السلطان “غياث الدين” عام 1202، مما ساهم في إضعاف الإمبراطورية الغورية، بالتالي أصبحت فريسة سهلة لغيرها من الإمبراطوريات. حيث قام المغول بتدمير المدينة عام 1222، وكل ما تبقى من المدينة هو مئذنة جام الصامدة حتى الآن برغم كل التهديدات التي أحاطت بها على مر كل تلك القرون.

بقت المدينة مهجورة، وكذلك ظلت المئذنة مهملة وغير معروفة خارج حدود أفغانستان حتى تم كشف الغطاء عنها عام 1886. إلا أن المئذنة لم تلفت اهتمام العالم الخارجي إلا بدايةً من عام 1957، حيث بدأت دراسة المنطقة في ذلك الوقت. كما وقد كانت هناك جهوداً لترميم المئذنة، إلا أن كل ذلك توقف سنة 1979، بعد الاحتلال السوفيتي للبلاد.

في عام 2012، أجرت منظمة اليونسكو مسحاً ثلاثي الأبعاد للمئذنة مع التقاط صور لتوفير نماذج أملاً في إعادة الإعمار مستقبلاً. في عام 2020 تم إدراج المئذنة ضمن مواقع التراث الثقافي للعالم الإسلامي من قِبل منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “ICESCO”، باعتبارها أول موقع تراثي ثقافي في أفغانستان يتم إدراجه بواسطة المنظمة.

وصف مئذنة جام

تتواجد المئذنة منعزلة بمحاذاة نهري جام وهاري، حيث تزيد المئذنة المكان جمالاً فوق جماله. ترتكز المئذنة على قاعدة ثُمانية الأضلاع، مع ارتفاع يزيد عن 65 متراً، وقطر بطول 9 أمتار. المئذنة عامةً مصنوعة من الطوب الحراري، مع مجموعة من الزخارف الجميلة المصنوعة من الآجر، الجص، والبلاط المُزجج.

تغطي تلك الأشرطة الزخرفية المئذنة بأكملها، وهي عبارة عن مجموعة من الخطوط العربية المختلفة، مثل الخط الكوفي والنسخ، وكذلك مجموعة من الأنماط الهندسية المختلفة وبعض الآيات القرآنية. تنقسم الأشرطة الزخرفية لزخارف متضررة أو غير واضحة، وزخارف مُتعارف عليها تبدأ من قمة المنارة، حيث يمكن وصفها كما يلي:

  • أول شريط زخرفي يتكون من شهادة الإسلام.
  • الشريط الذي يليه يحمل الآية 13 من سورة الصف.
  • تحت كل ذلك، تتواجد نقوش باللون الأزرق تحمل ألقاب السلطان “غياث الدين”.
  • في منتصف المنارة تقريباً، تتواجد نقوش تحمل سورة مريم.

كان البناء يحتوي على شرفتين خشبيتين للمراقبة، وكذلك مصباح كبير يتواجد في قمة المئذنة. يمكن أيضاً الاستمتاع بتجربة تسلق المنارة من الداخل، حيث يوجد نوعان من الدرج يلتفان حول بعضهما البعض. ينتهي الدرج الأول عند غرفة يمكن من خلالها مشاهدة التقاء نهري جام وهاري، ولرؤية أوسع وأشمل، يمكن الاستمرار في تسلق الدرج الثاني للوصول إلى قمة المنارة، ولكن يجب أخذ الحذر أثناء تسلق ذلك الدرج.

كان لشكل المئذنة العام تأثيراً كبيراً في نشر العمارة والزخرفة الإسلامية في أنحاء آسيا، حيث تتشابه “مآذن غزنة” كثيراً مع مئذنة جام.

موقع مئذنة جام

تتواجد مئذنة جام في موقع شبه معزول وسط الجبال الشامخة، ولتحديد الموقع بالضبط، فالمئذنة تتواجد في مقاطعة “شهراك”، بالقرب من قرية تدعى “جام” تابعة لمدينة “دازام”، في ولاية غور، غرب أفغانستان. يعتبر ذلك الموقع من أصعب الأماكن التي يمكن الوصول إليها في أفغانستان. كما وسيتعين على الزوار أن يتزودوا بالطعام والشراب قبل تلك الرحلة الطويلة، نظراً لعدم وجود أي فنادق أو مطاعم في ذلك الموقع. إلا أن الموقع يستحق عناء الوصول إليه، حيث تتواجد الأنهار الجارية، الجبال الشامخة، والطبيعة الخلابة حول المنارة.

التهديدات المعرضة لها منارة جام

صمدت المنارة لمدة ثمانية قرون، وهذه ليست فترة قصيرة، حيث تعرضت المنارة للتآكل الشديد ولا زالت تتعرض له، نظراً لقربها من نهري هاري وجام. حيث تعتبر عملية التآكل بواسطة مياه الأنهار من أكبر التهديدات التي تواجه المنارة. كما وتتميز تلك المنطقة بكثرة الزلازل (Earthquakes) التي تعرض المنارة للخطر، وكان آخرهم زلازل يناير 2022، والذي تسبب في تساقط المزيد من الحجارة من المنارة. من الأسباب الثانوية أيضاً، الاشتباكات التي كانت تحدث بين العناصر المسلحة، وكذلك النهب المستمر للآثار في المنطقة من قِبل اللصوص.

كل ذلك ساهم في تداعي المنارة، إذ أنها كانت عرضة للإهمال طوال ذلك الوقت، بحيث اعتبرتها منظمة اليونسكو من الآثار المعرضة للخطر. كما وقد أقرت هيئة الإذاعة البريطانية “BBC” في عام 2002 أن المنارة على وشك الانهيار.

كيفية الوصول إلى مئذنة جام

الوصول إلى مكان المئذنة يحتاج إلى روح المغامرة، حيث يتطلب الوصول إلى هناك القيادة في طرق جبلية وعرة، ولمسافة طويلة. يعتبر “مطار جغجران” هو أقرب المطارات من المئذنة، وهو على بُعد 150 كم، حيث تأخذ الرحلة إلى المئذنة حوالي ساعتان ونصف. يمكن الوصول من المطار إلى المئذنة على النحو التالي:

  1. نمضي في طريق المطار لحوالي 1,47 كم، حتى نقابل طريق “A77” الصحراوي.
  2. نستمر في ذلك الطريق مسافة قدرها 80 كم، حتى الوصول إلى مفترق طرق، وهناك يتم أخذ الطريق على اليمين.
  3. يتم المضي في ذلك الطريق مسافة 27 كم حتى الوصول لمفترق طرق آخر، حيث نتجه يميناً.
  4. نتابع في الطريق لمسافة 22 كم.
  5. في نهاية ذلك الطريق يتواجد فندق “مركز جهاد”، والذي يمكن الاستراحة فيه والتزود بالطعام والشراب لباقي الرحلة.
  6. من نقطة التوقف، ننحرف يميناً، ونستمر مباشرةً مسافة 19,9 كم، حتى الوصول لمكان المئذنة.

اقرأ المزيد:

ختاماً، يتوجب القول أن مئذنة جام تمثل إبداعاً هندسياً يدل على قوة وإتقان حضارة الغوريين. حيث وبالرغم من بُعد المئذنة، إلا أنها من آثار أفغانستان التي تستحق معاناة الوصول إليها، والتمتع بالنظر إلى تلك المنطقة المليئة بالتاريخ.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة