تجلط الدم في حالات كوفيد-19

Blood-clot in Covid-19 cases

نالت مضاعفات فيروس كورونا المستجد الاهتمام مؤخراُ، ومنها تجلط الدم في حالات كوفيد-19، لكن ما تفسير ذلك؟ وكيف يمكن للعلم في القريب أن يحد من المضاعفات بإستهداف تلك الظاهرة؟

كتابة: محمد عصام | آخر تحديث: 19 مايو 2020 | تدقيق: أميرة حامد
تجلط الدم في حالات كوفيد-19

يجاهد البحث العلمي في معرفة الآليات الكامنة وراء مضاعفات كوفيد-19 القاتلة. وتكمن أحد هذه المضاعفات في تجلط الدم في حالات كوفيد-19، والذي مؤخراُ نال قدراً كبيراُ من الأسئلة. لكن قبل الخوض في ذلك، ما هي آلية الجسد للحفاظ على المعدل من التجلط.

الحالة الطبيعية

عند حدوث نزيف في أي أوعية دموية مصابة، يكون لدى جسدك ردة فعل بيولوجية تتشارك فيها الكثير من العمليات الجزيئية لإيقاف هذا النزيف. تسمى العملية الإرقاء أو Hemostasis، وضمن هذه العملية تخثر الدم.

لكن، من الممكن أن يؤدي زيادة التجلط إلى انسداد الأوعية الدموية السليمة أو الغير مصابة. لكن الجسد لديه آليات جزيئية تستطيع التحكم في درجة التجلط. كما أن لديه القدرة على تفكيك الجلطات التي لم تعد هناك حاجة لها في الجسد.

نتيجة لذلك، يمكن أن يحدث نزيف زائد أو تجلط أكبر، وكلاهما يعد أمرا حرجاً. عند حدوث أي شذوذ أو اضطراب في أي جزء من هذه المنظومة، التي تتحكم بدرجة النزيف،

عندما بكون هناك خلل في عملية التخثر أو التجلط، فإن الإصابات الخفيفة في أحد الأوعية الدموية يمكن أن تقود إلى نزيف شديد. أما عندما يكون التجلط زائد عن الحد، فإن الأوعية الدموية الصغيرة في الأماكن المهمة قد تسد بالجلطات.

على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي الجلطات في المخ إلى سكتات دماغية، بينما يحدث نوبات قلبية، لو حدثت في القلب. لكن الخطير، هو انفصال أو تقطع الجلطات المنطلقة من أوردة الساقين أو الحوض أو البطن، فقد تسير  هذه الجلطات المتفككة مع الدم إلى الرئتين، وتسد الشرايين الرئيسية فيهما (الانصمام الرئوي pulmonary embolism).

عملية الإرقاء تتكون من 3 مراحل:

  • ضيق أو إنقباض الأوعية الدموية
  • نشاط الصفائج الدموية platelets
  • ظهور نشاط لبروتينات موجودة في الدم، تعمل مع الصفيحات على المساعدة على تجلط الدم  تسمى (عوامل التخثر clotting factors)

انقباض الأوعية الدموية

يتباطأ جريان الدم داخل الوعاء الدموي بانقباضة، ثم تبدأ عملية التجلط. وفي الوقت نفسه، يتم ضغط الدم المتجمع خارج هذا الوعاء مكوناً كتلة من الدم تسمى الورم الدموي hematoma، مما يساعد على الحد من عملية النزيف.

الصفائح الدموية

عندما يتضرر جدار الوعاء الدموي (مثلما يحدث من تجلط الدم في حالات كوفيد-19)، تؤدي سلسلة من التفاعلات إلى تنشيط الصفائح الدموية، بحيث تلتصق بالمنطقة المتضررة. ويمثل عامل فون ويليبراند von Willebrand’s factor “الغراء” أو “الصمغ” الذي يجعل الصفيحات ملتصقة بجدار الوعاء الدموي.

[tds_info]عامل فون ويليبراند هو بروتين تنتجة خلايا جدران الأوعية الدموية .[/tds_info]

عوامل التجلط clotting factors

يعمل الكولاجين collagen والثرومبين thrombin (وهما من بروتينات التجلط) في موضع الإصابة على دفع الصفائح الدموية على الالتصاق ببعضها البعض، وعندما تتراكم الصفيحات الدموية في الموضع، تتشكل شبكة تسد الإصابة.

تغير هذه الصفيحات شكلها من مدورة إلى شوكية، وتطلق بروتينات ومواد أخرى تحتجز المزيد من الصفيحات وبروتينات التخثر في الكتلة المتزايدة التي ستصبح جلطة دموية.

كما ينطوي تشكيل الجلطة على تنشيط سلسلة من عوامل التجلط في الدم، والتي تكون الثرومبين، ثم يحول الثرومبين الفبرينوجين (الذي يكون الفبرين) fibrinogen -وهو عامل تجلط يذوب بشكل طبيعي في الدم-، إلى خيوط طويلة من الفبرين تنتشر من الصفيحات الملتصقة ببعضها البعض، وتشكل شبكة تحتجز المزيد من الصفيحات وخلايا الدم. وتزيد هذه الخيوط من حجم الجلطة الناشئة، وتساعد على إبقائها في موضعها للحفاظ على سد أو إغلاق جدار الوعاء الدموي.

التفاعلات البيولوجية التي تؤدي إلى تشكيل الجلطة الدموية، تكون في تناسق وتوازن مع التفاعلات البيولوجية الأخرى التي تعمل على إيقاف عملية التجلط، وتفكيك الجلطات المتكونة بعد تعافي الوعاء الدموي المصاب.

ومن دون نظام التحكم هذا، يمكن أن تُحدث الإصابات البسيطة في الأوعية الدموية تجلطاً واسعاً في الجسد، وهذا ما يحصل فعلا في بعض الأمراض.

“اقرأ أيضًا: دواء لانتوس


لغز تجلط الدم في حالات كوفيد-19

من المضاعفات المتكررة في مرضى كوفيد-19، المرض الذي يسببه فيروس كورونا المستجد، ظهور طفح جلدي لونه أورجواني، مع تورم في  الساقين، وانسداد للقسطرات، وفي النهاية الموت المفاجئ. والسبب، جلطات دموية إما كبيرة أو صغيرة. لكن الباحثين الآن بدأوا للتو في فك ألغاز تجلط الدم في حالات كوفيد-19.

لأسابيع، تدفقت التقارير حول مضاعفات المرض في جميع أنحاء الجسم، والعديد منها بسبب الجلطات. يقول بهنود بكدلي، زميل أمراض القلب بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك: “إنها مثل عاصفة من الجلطات الدموية”.

إن أي شخص يعاني من حالة مرضية شديدة معرض لخطر الإصابة بالجلطات، ولكن يبدو أن المرضى في المستشفيات الذين يعانون من COVID-19، أكثر عرضة للإصابة بجلطات الدم والآثار المترتبة عليها.

الجلطات الدموية، هي كتل من الخلايا والبروتينات الشبيهة بالهلام، و هي آلية الجسم لوقف النزيف. يرى بعض الباحثين أن التجلط هو سمة أساسية من سمات كوفيد 19. لكن ليس فقط وجود هذه الجلطات هو الذي حير العلماء، لكن الطريقة التي تظهر بها.

يقول جيمس أودونيل، مدير المركز الأيرلندي لبيولوجيا الأوعية الدموية في الكلية الملكية للجراحين في دبلن: “هناك الكثير من الأشياء الغير معتادة حول تجلط الدم في حالات كوفيد-19”.

“اقرأ أيضًا: دواء جراليس


محاولة لفهم تجلط الدم في حالات كوفيد-19

تشير الدراسات الأخيرة من هولندا وفرنسا، إلى أن تجلط الدم في حالات كوفيد-19 يتراوح نسبتة بين 20 ٪ إلى 30 ٪ ، والذين تضاعف عندهم المرض لدرجة خطيرة.

لدى العلماء بعض الفرضيات المعقولة لشرح هذه الظاهرة، وقد بدأوا للتو في إطلاق دراسات تهدف إلى معرفة الكيفية التي تحدث فيها الجلطات على المستوى الجزيئي. ولكن مع تزايد عدد الوفيات، الكثير من العلماء والمختصين مدفوعون أيضًا لاختبار أدوية لإيقاف أو منع مثل هذه الجلطات.

لا تمنع مميعات الدم ( أدوية لتفكيك الجلطات) بشكل موثوق من التجلط لدى الأشخاص المصابين بـكوفيد-19، فقد ترى الكثير من الشباب يتوفون من جراء السكتات الدماغية الناجمة عن انسداد الأوعية الدموية في الدماغ.

كما أن العديد من المصابين في المستشفى لديهم مستويات مرتفعة بشكل كبير من جزئ بروتين يسمى D-dimer، والذي يوجد عندما تتفكك الجلطة. الجدير بالذكر، أن المستويات العالية من D-dimer هي مؤشر قوي للوفيات من المرضى المصابين بفيروس كورونا المستجد.

لاحظ الباحثون أيضًا العديد من الجلطات في أصغر أوعية الجسم. قام جيفري لورانس، أخصائي أمراض الدم في Weill Cornell Medicine في مدينة نيويورك، وزملاؤه بفحص عينات من الرئة والجلد من ثلاثة أشخاص مصابين بـفيروس كورونا ووجدوا أن الشعيرات الدموية في تلك العينات، كانت مسدودة بالجلطات. وقد أبلغت مجموعات أخرى، عن نتائج مماثلة تدعم الشواهد على تجلط الدم في حالات كوفيد-19.

يقول: “هذا ليس ما تتوقع رؤيته في أي شخص مصاب بعدوى شديدة.” “لكن هذا حقًا أمر جديد.” قد يساعد هذا في تفسير سبب انخفاض نسب الأكسجين في الدم بشكل خطير لدى بعض الأشخاص، ولماذا يمكن أن لا تساعد أجهزة التنفس الإصطناعي في الغالب. يقول أودونيل “إنها ضربة مزدوجة”.

يسد الالتهاب الرئوي الأكياس الصغيرة ( الحويصلات الهوائية) الموجودة في الرئتين بالسوائل أو الصديد ، وتقيّد هذه الجلطات الصغية عملية وصول الدم المؤكسج إلى الجسد.

“اقرأ أيضاً: من الذي يمتلك المناعة ضد فيروس كورونا؟


الآثار الفيروسية

على الأوعية الدموية

سبب حدوث تجلط الدم في حالات كوفيد-19 لا يزال لغزاً. أحد الاحتمالات هو أن السارس المستجد يهاجم مباشرة الخلايا البطانية التي تبطن الأوعية الدموية من الداخل.

تحتوي الخلايا البطانية على نفس المستقبلات ACE2 التي يستخدمها الفيروس لدخول خلايا الرئة. وهناك دليل على أن الخلايا البطانية للأوعية الدموية يمكن أن تصاب بالعدوى.

لاحظ باحثون من مستشفى جامعة زيورخ في سويسرا ومستشفى بريغهام ومستشفى النساء في بوسطن، ماساتشوستس، وجود السارس المستجد في الخلايا البطانية للأوعية الدموية داخل أنسجة الكلى.

يقول بيتر ليو، كبير المسؤولين العلميين في معهد القلب بجامعة أوتاوا: “إن الأوعية الدموية لدى الأفراد الأصحاء أنبوب مبطن وسلس للغاية. فالبطانة الداخلية تمنع الجلطات من التكون. لكن العدوى الفيروسية يمكن أن تتلف هذه الخلايا، مما يدفعها إلى إنتاج البروتينات التي تحفز عملية التجلط.

على الجهاز المناعي

يمكن أن تساعد تأثيرات الفيروس على الجهاز المناعي أيضًا على التخثر. في بعض الأشخاص، يدفع فيروس كوفيد-19 الخلايا المناعية على إطلاق سيل من الإشارات الكيميائية التي تزيد من الالتهاب. الذي بدورة مرتبط بالتجلط والتخثر من خلال مجموعة متنوعة من المسارات البيولوجية. ويبدو أن الفيروس ينشط النظام المكمل complement system، وهو آلية دفاعية مكونة من بروتينات تثير التجلط.

وجدت مجموعة لورانس أن الأوعية الصغيرة المسدودة في أنسجة الرئة والجلد من الأشخاص المصابين بـ COVID-19 فيها بروتينات مكملة. تقول أغنيس لي، مديرة برنامج أبحاث أمراض الدم بجامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر بكندا، أن كل هذه الأنظمة مترابطة. مما قد يجعل لغز تجلط الدم في حالات كوفيد-19 منطقياً.

عوامل مسبقة

لكن، لي يضيف أنه قد تكون هناك عوامل أخرى مسبقة غير مرتبطة بفيروس كورونا المستجد. عادةً ما يكون لدى الأشخاص المصابين بهذا المرض، عددًا من العوامل المساعدة للتجلط. فقد يكونون من كبار السن أو يعانون من زيادة الوزن، ويمكن أن يكونوا يعانون من ارتفاع ضغط الدم أو مرض السكري.

والجدير بالذكر أن المصابين يكون لديهم حمى عالية، ولأنهم في وضع حرج، فهم غير قادرين على الحركة. الأمر الأخر، أنهم قد يكونون لديهم قابلية وراثية للتجلط، أو يتناولون أدوية تزيد من خطر التجلط. تضيف لي: “إنها مثل العاصفة المثالية لحدوث تجلط الدم في حالات كوفيد-19”.

“اقرأ أيضاً: ما مدى انتشار كوفيد-19 داخل الجسد؟


 علاجات جديدة لتجلط الدم في حالات كوفيد-19

حتى عندما يبدأ الباحثون في الكشف عن كيفية حدوث التجلط لدى الأشخاص المصابين بـفيروس كورونا المستجد، فإنهم يسارعون لاختبار علاجات جديدة تهدف إلى منع وتفكيك الجلطات. تعتبر أدوية تسييل الدم أحد أهم المعايير لرعاية المرضى في وحدة العناية المركزة، و أولئك الذين يعانون من كوفيد-19 ليسوا باستثناء. لكن الجرعات هي مسألة نقاش حاد.

يقول روبرت، رئيس قسم التوازن والتجلط في مركز ديكونيس الطبي في مدينة نيويورك “السؤال الآن، ما مدى إعطاء الجرعات؟”.

أفاد باحثون من كلية الطب بماونت سيناي، أيضًا في مدينة نيويورك، أن المرضى الذين دخلوا المستشفى مصابون بالفيروس وموضوعون على التهوية الميكانيكية، و تلقوا أدوية لسيولة الدم، لديهم معدل وفيات أقل من أولئك الذين لم يعالجوا معهم.

لكن لم يستطع الفريق إيجاد تفسيرات أخرى لتلك النتيجة. كما أن الجرعات العالية من هذه الأدوية تحمل مخاطر.

أطلق الباحثون في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، تجربة سريرية لمقارنة الجرعات اللازمة التي قد تمنع تجلط الدم مع جرعات أعلى لدى الأشخاص الذين يعانون من مشاكل خطيرة نتيجة كوفيد-19.

تم التخطيط لتجارب مماثلة في كندا و سويسرا. وقد بدأ العلماء في مركز  ديكونيس الطبي، في تجربة سريرية لتقييم دواء أكثر فاعلية لتفكيك الجلطات يسمى منشط البلازمينوجين النسيجي، أو tPA. ويعد هذا الدواء أكثر قوة، لكنه يحمل مخاطر أعلى لحدوث نزيف شديد من ممعيات الدم.


يأمل العلماء أن توفر هذه التجارب وغيرها البيانات اللازمة لمساعدة الأطباء على اتخاذ قرارات علاجية حرجة. يقلق لي من مقدار التغير السريع في الأنظمة العلاجية التي تحدث.

تقول لي: يغير الناس البوتوكولات العلاجية كرد فعل على تجاربهم المحلية والشخصية من الحالات المصابة حولهم. لكنها تتفهم هذا، لكن علينا أن نتذكر أن الشيء الأهم هو الأمان.

المراجع

  1. Author: Cassandra Willyard (8/5/2020), Coronavirus blood-clot mystery intensifies, https://www.nature.com/, Retrieved 15-5-2020
  2. Author: Joel L. Moake (1/4/2020), How Blood Clots, https://www.msdmanuals.com/, Retrieved 15-5-2020
 
485 مشاهدة

ساهم باثراء المحتوى من خلال اضافة تعليق