علاج الشيخوخة في العظام

Anti-Aging in our bones

نتيجة لازدياد متوسط عمر الفرد اليوم، حازت الأمراض المرتبطة بالشيخوخة على اهتمام العلم، لكن مؤخراً ازدادت الأدلة على وجود علاج الشيخوخة في العظام ؛ لكن ما هي العلاقة؟ وكيف يمكن استغلال ذلك طبياً؟

كتابة: محمد عصام | آخر تحديث: 8 يوليو 2020 | تدقيق: إسراء أحمد
علاج الشيخوخة في العظام

أوستوكالسين Osteocalcin، ذلك الهرمون الذي ينتج في العظام، هل يمكن أن يوفر يومًا ما علاجاً لأمور تتعلق بكبر العمر مثل فقدان العضلات والذاكرة، هل من الممكن إيجاد علاج الشيخوخة في العظام ؟


بداية الاهتمام بإمكانية وجود علاج الشيخوخة في العظام

كان إيرارد كارسنتي عالمًا شابًا يحاول صنع اسم لنفسه داخل الوسط العلمي في أوائل التسعينيات عندما عثر لأول مرة على اكتشاف، من شأنه أن يساعد في تغيير فهمنا للعظام، والدور الذي يلعبه في جسمنا وإمكانية وجود علاج الشيخوخة في العظام.

أصبح كارسنتي مهتمًا بـ أوستوكالسين osteocalcin، أحد أكثر البروتينات وفرة في العظام. حيث شك في أنه له دور حاسم في إعادة تشكيل العظام – العملية التي يتم من خلالها إزالة أجزاء من العظام أو تكسير الخلايا المكونة له باستمرار، وإنشاء نسيج جديد – الذي يساعدنا على النمو أثناء الطفولة والمراهقة، وكذلك التعافي من الإصابات.


التجارب من أجل الوصول إلى علاج الشيخوخة في العظام

وعلى إثر ذلك، اعتزم هذا الشاب المتطلع إلى إجراء تجربة تسمى a genetic knockout experiment، حيث تقوم هذه التجربة على إزالة الجين المسؤول عن إنتاج هرمون أوستيوكالسين من فئران التجارب. ولكن ما أثار صدمته، هو أن الفئران المزال الجين المسئول فيها، لم تظهر عليها أي عيوب واضحة في العظام على الإطلاق.

من جانبه، صرح ماثيو فيرون، وهو طالب سابق لكارسنتي، وهو الأن مدير مختبر أبحاث متخصص في بيولوجيا العظام في ICRM في مونتريال، أن بالنسبة له كان الأمر في البداية فشلًا تاماً. لأن في تلك الأيام كان إجراء أي تغيير أو تعديل في المادة الوراثية للفأر باهظ التكلف. ففي الواقع، لم يتبين للعالم الشاب حقيقة أن علاج الشيخوخة في العظام

نتائج محيرة

لكن كارسنتي لاحظ شيئًا غير متوقع. ففي حين أن عظامها قد نمت بشكل طبيعي، كان يبدو بشكل واضح أن أن الفئران بدينة، ولديها ضعف في عملية إدراكها.

يقول فيرون: لقد كان لدى الفئران التي لا تحتوي على هرمون الأوستيوكالسين نسبة كبيرة من الجلوكوز، مع ميل إلى أن تبدو غبية بعض الشيء. فقد يبدو من السخافة أن نقول هذا، لكنهم كانوا لا يتعلمون جيدًا، وأيضاً بدا أنهم محبطون نوعًا ما.

استغرق كارسنتي  وفريقه بعض الوقت لفهم كيفية تأثير هذا البروتين في العظام على هذه الوظائف. لقد فوجئوا في البداية ورعبوا بعض الشيء لأنه لم يكن له أي معنى بالنسبة لهم “.

ثورة في فهمنا

نشر كارسنتي أول مجموعة من الدراسات البحثية، بعد مرور خمسة عشر عاماً تقريباً، و التي ستثير ثورة في منظورنا للعظام والهيكل العظمي بشكل عام.  فلقد اعتدنا على النظر إلى هيكلنا العظمي باعتباره هيكلًا ميكانيكيًا في المقام الأول يتمثل دوره الرئيسي في أن يكون بمثابة الدعامة لبقية الجسد.

لكن عظامنا هي أعضاء حية للغاية، والتي نعتقد أنها تلعب الآن دورًا في تنظيم مجموعة كاملة من العمليات الجسدية الحيوية التي تتراوح من الذاكرة إلى الشهية، وصحة العضلات، والخصوبة، والتمثيل الغذائي وغيرها الكثير، وإمكانية وجود علاج الشيخوخة في العظام.


“اقرأ أيضاً:مقاومة المضادات الحيوية


العظام ليست في معزل

يقول توماس كليمنس، أستاذ جراحة العظام في مركز جونز هوبكنز لأبحاث العضلات والعظام: لقد تغيرت فكرة أن العظام مجرد عضو منفصل عن كل شيء آخر كأنسجة لها وظيفة دعامية ولا تتواصل لكن من المثير وجود أمل أن علاج الشيخوخة في العظام.

لقد بشر كارسنتي بفكرة أن العظام تتواصل مع أنسجة أخرى في الجسم، والتي لم تكن مفهومة أو تم التحقق منها من قبل.

نحن نعلم الآن أن العظام تتواصل من خلال المشاركة في شبكة من الإشارات مع الأعضاء الأخرى من خلال إنتاج الهرمونات الخاصة بها، وهي البروتينات التي تنتشر في الدم. لقد قادت الفئران كارسنتي في نهاية المطاف إلى إدراك أن بروتيتن ال osteocalcin كان في الواقع أحد هذه الهرمونات، وأيضاً فهم علاقاته لتنظيم العديد من هذه الوظائف، والذي يمكن أن يكون لها آثار مستقبلية من ناحية الصحة العامة.

يقول فيرون: إن فكرة أن العظام يمكن أن تنتج هرمونًا يؤثر على التمثيل الغذائي Metabolism، أو حتى الكبد في البداية جاءت بمثابة الصدمة. لم يتوقع الناس ذلك. لكن علماء آخرين حصلوا على نفس النتائج منذ ذلك الحين، كما اكتشفوا هرمونات أخرى جديدة تنتجها العظام أيضًا. لقد فتحت مجالًا جديدًا تمامًا في أبحاث العظام.


عكس التدهور المرتبط بالعمر

مع تقدمنا ​​في العمر، يكون لا مفر لنا جميعًا من فقدان العظام. تظهر الأبحاث أن البشر يصلون إلى ذروة كتلة العظام في العشرينات من عمرهم؛ لكن فصاعدًا، يحدث انخفاض بطيء في كتلة العظام تمكنها من تؤدي في النهاية إلى الضعف وأمراض مثل هشاشة العظام في الشيخوخة.

على مدى العقد الماضي، اقترحت نتائج جديدة أن هذا الانخفاض في كتلة العظام قد يرتبط أيضًا بضعف العضلات – المشار إليها في المصطلحات الطبية باسم ساركوبينيا sarcopenia – بالإضافة إلى علة في الذاكرة، والإدراك التي يعاني منها الكثير منا مع تقدمنا ​​في السن.

يقول كارسنتي: يعمل هرمون ال Osteocalcin على زيادة كميات ATP في العضلات، وهو المخزون أو الوقود الذي يسمح لنا بممارسة النشاط الحركي. في الدماغ، يعمل هذا الهرمون على زيادة تنظيم إفراز معظم الناقلات العصبية التي تحتاجها الذاكرة.

تنخفض مستويات الأوستيوكالسين المتداولة في البشر حول منتصف العمر، وهو الوقت الذي تبدأ فيه هذه الوظائف الفسيولوجية، مثل الذاكرة والقدرة على ممارسة الرياضة، في الانخفاض.

ولكن المثير للاهتمام في السنوات الأخيرة؛ هو عندما أجرى كارسنتي سلسلة من التجارب أظهر فيها أنه من خلال زيادة مستويات هرمون الأوستيوكالسين في الفئران الأكبر سنًا من خلال الحقن، يمكنك بالفعل عكس العديد من هذه الأمراض المرتبطة بالعمر، ومن هنا أتت فكرة أن من الممكن أن يتمثل أحد جوانب علاج الشيخوخة في العظام.

يقول: يبدو أن عقار الأوستيوكالسين قادر على عكس مظاهر الشيخوخة في الدماغ والعضلات؛ لكن ما هو ملحوظ هو أنه إذا أعطيت الأوستيوكالسين osteocalcin للفئران الكبيرة، فستستعيد قدرات الذاكرة وتستعيد القدرة على ممارسة الرياضة إلى المستويات التي شوهدت في الفئران الأصغر. وهذا يجعلها جذابة للغاية من وجهة نظر طبية.

الرياضة قد تكون حلا

وجد العلماء أيضًا أن طريقة واحدة للحفاظ على مستويات هذا الهرمون في الدم بشكل طبيعي، حتى مع تقدمنا ​​في السن، هي من خلال الرياضة، وهو أمر منطقي، حيث أن النشاط البدني معروف منذ فترة طويلة أنه من الممكن أن يجعلنا نرى كون علاج الشيخوخة في العظام . يأمل فيرون أن هذه النتائج يمكن استخدامها لدعم توصيات الصحة العامة فيما يتعلق بأهمية البقاء نشطاً حتى منتصف العمر والحياة اللاحقة.

تشير الأبحاث الجارية في هذا المجال أيضًا إلى أن ممارسة الرياضة بشكل أكبر خلال سنوات المراهقة والبلوغ المبكر يمكن أن تستمر في التأثير بشكل وقائي على العظام والجوانب الأخرى للصحة في وقت لاحق من الحياة.

يقول فيرون: أعتقد أن هذا يمكن أن يعزز الرسالة القائلة بأنه من المهم أن يكون الأشخاص نشطاء خلال فترة المراهقة وسنوات البلوغ المبكرة؛ مما سيحميها من المشاكل المرتبطة بالعمر المرتبطة بإنخفاض نسبة هرمون الأوستيوكالسين.


“اقرأ أيضاً: الميكروبات داخلنا وعلاقتها بصحة الإنسان


الاستفادة من هرمونات العظام لتطوير أدوية جديدة

في المجموعة البحثية Mayo Clinic (مايو كلينك)، كان سنديب خوسلا يبحث بروتيناً يسمى DPP4؛ و الذي تصنعه الخلايا المغلفة للطبقة الخارجية للعظام، تسمى osteoclasts والتي تساعد على إستخراج أو إطلاق المعادن الحيوية للجسم مثل الكالسيوم Ca phospahte، وبعض عوامل النمو Growth factors. المثير للإهتمام، أنه كان يبدو لو أن له دورًا في تنظيم العظام لسكر الدم.

خوسلا مهتم بشكل خاص بهذا الهرمون لأن عقار دينوسوماب denosumab – و الذي يوصف سريريًا لمرضى هشاشة العظام لمحاولة إبطاء معدل فقدان العظام – يبدو أن له تأثيرًا إيجابيًا على DPP4 أيضًا. ففي دراسة نُشر في وقت سابق من هذا العام أجريت على مرضى هشاشة العظام الذين تناولوا عقار دينوسوماب denosumab ، لوحظ أن أولئك الذين يعانون أيضًا من مرض السكري يعانون من تحسن في أعراضهم.

يقول خوسلا: تظهر هذه النتائج البحثية أنه ربما يمكن لهذا الدواء أن يعالج هشاشة العظام والسكري في آن واحد؛ فنحن نتطلع الآن إلى متابعة هذه الملاحظات واختبار ذلك من خلال التجارب السريرية العشوائية.

وبالنظر إلى أن الكثير من الناس يتجاهلون إرشادات الصحة العامة فيما يتعلق بالتمارين الرياضية، يعمل Karsenty على وسيلة لزيادة مستويات الأوستيوكالسين في الدم بشكل إصطناعي artificial ولديه براءة اختراع لاستخدامه لعلاج الاضطرابات الإدراكية.

خوسلا من جانبه صرح بأن هذا ليس بالأمر الهين، لكن ما نريد أن نفعله هو توصيل الأوستيوكالسين ربما من خلال تطوير جزيء ينظم عملية إنتاج هرمون الأوستيوكالسين داخل أجسادنا، فحن نستكشف طرقًا مختلفة للقيام بذلك، ولكن الفكرة ستكون في نهاية المطاف للحصول على شيء يمكن استخدامه لعلاج الأمراض المرتبطة بالعمر مثل الساركوبينيا sarcopenia وانخفاض قدرة الذاكرة memory decline. وبالتأكيد، هذا سيحقق أكبر فائدة للمسنين، ولكن أي شخص سيعاني من إنخفاض في وظيفة العضلات، بسبب كسر من نوع معين، يمكن أن يستفيد أيضًا من علاج الشيخوخة في العظام.

علاج عكس المعتاد

يقول فيرون إن مثل هذا العلاج يختلف عن الأدوية الحالية المصممة لتحسين العظام في الهشاشة، لأنها تعمل فقط عن طريق منع فقدان العظام. يهدف الدواء الذي يستهدف osteocalcin إلى تحقيق فوائد صحية أوسع من خلال تحفيز نمو العظام، لكن بعض المشاكل قد تكون موجودة مثل، أن يكون حقن شكل من أشكال osteocalcin كافياً لتحقيق فائدة علاجية لدى البشر.

يقول فيرون: تميل مثل هذه العلاجات إلى أن تكون أكثر تكلفة وأكثر صعوبة لأن حقن البروتين ليس لها نصف عمر طويل جدًا. وهذا يجعل فكرة وجود علاج الشيخوخة في العظام، عملياً مرهق. لكن مختبري يقوم بتطوير شكل مستقر من osteocalcin بحيث يستطيع أن يبقى لفترة أطول في الجسم، ولكن الحل الأفضل هو أن يكون لديك نوع من الجزيئات الدوائية الصغيرة التي يمكن تعبئتها وإستخدامها لاستهداف مستقبلات هذا الهرمون لتحفيز نشاطها . هذه هي الفكرة التي أراها للمستقبل والتي سوف تفتج الباب أما علم علاج الشيخوخة في العظام .

لكن النتائج التي توصل إليها كارسنتي دفعت العلماء أيضًا إلى التفكير في سؤال أعمق إلى حد ما: كيف طورت العظام القدرة على إنتاج هرمونات مثل أوستيوكالسين في المقام الأول؟


يعتقد العالم نفسه أن الإجابة تكمن عميقًا في ماضينا التطوري. فكان لابد من الكائن الحي من وجود وسائل تساعده على ربط إشارة العظام بالعضلات للركض، والتي يتم عن طريق هرمون الأوستيوكالسين.

للبقاء على قيد الحياة، كانت الكائنات تحتاج أيضًا إلى تذكر مكان العثور على الطعام أو مكان الحيوانات المفترسة قبل ساعة، ويتم تنظيم عمليات الذاكرة هذه بواسطة هرمون osteocalcin. أكثر فأكثر، نعتقد أنها تطورت كهرمون لمساعدة الحيوانات على الهروب من الخطر، لكن بإرتفاع أعمار الإنسان قد نتمكن من إيجاد علاج الشيخوخة في العظام.

 

المراجع

  1. Author: David Cox (4 Jul 2020), Does the key to anti-ageing lie in our bones?, https://www.theguardian.com/, Retrieved 7-6-2020
  2. Author: Zoch ML, Clemens TL, Riddle RC. New insights into the biology of osteocalcin. www.ncbi.nlm.nih.gov./Retrieved 7-6-2020
432 مشاهدة

ساهم باثراء المحتوى من خلال اضافة تعليق